كلمة حق ليست نقدا ولا إطراء.. قراءة في “أحلام السنابل” للشاعرة روز شعبان التطريز على ثوب فلسطيني
د. ياسر ريناوي
أستميحكم عذرا إذا لم أستطع إيفاء هذه المجموعة الشعرية الجميلة الزاخرة بالأحاسيس والمشاعر الجياشة ، وكاتبتها حقهما فلست شاعرا ولا كاتبا ولا ناقدا وكل ما عندي أنني عاشق للغة العربية بشعرها ونثرها وبلاغتها وصرفها ونحوها ، وحافظ لمئات القصائد من العصر الجاهلي إلى اليوم ، وأعترف أن شهادتي مجروحة ، لمعرفتي القريبة بالشاعرة وعائلتها ، وبعطائها ، مما يجعلني ” ناقدا ” منحازا وغير موضوعي ، وأعتذر سلفا عن بعض العبارات التي قد تكون غير دقيقة أو تشكو من المبالغة ، وكما ذكرت ، فلست ناقدا محترفا .
أصاب الدكتور بطرس دلة بتقدمته الجميلة ، عندما استشهد بكلام محمود درويش عن الكتابة بأنها إما نثر أو شعر ، وعندما نصح الشاعرة بالرجوع إلى الخليل بن أحمد وبحوره ، لتزيد على كلماتها الجميلة الشاعرية شيئا من الموسيقى الشعرية ، التي تعودت آذاننا علي سماعها ، فتضيف إلى جمالها جمالا وألقا ، حتى لا يبدو الشعر وكأنه مترجم عن لغة أخرى .
عندما وصف الأقدمون الشعر بأنه الكلام الموزون المقفى ، لم يتطرقوا إلى المضمون ، وقالو إن اعذب الشعر أكذبه ، وبحسب هذا الوصف الحرفي فالشعر معلبات وقوالب ومكعبات ، بغض النظر عما بداخلها ، فكثيرا ما نري كلاما معلبا ومقولبا لا معنى فيه ولا يساوي الحبر الذي أهدر ، وهذا لا يعني أن علينا أن نتخلى عن الأوزان والقوافي ، فموسيقى الشعر تضفي جمالا على جمال وتسهل على القارئ حفظه وعلى الملحن تلحينه وعلى المغني غناءه ، والعرب نظموا الشعر على السليقة ولم يفكروا ببحور الخليل بن أحمد الذي لم يكن قد ولد بعد ، والشعراء المجددون ، من بدر شاكر السياب إلى نزار قباني ومحمود درويش ، أبقوا على الموسيقى الشعرية في أشعارهم العمودية .
هذه المواصفات في الشعر لا توجد ، حسب ما أعرف ، في أية لغة سوى العربية ، فكبار شعراء العالم : من شكسبير إلى بايرون إلى موليير إلى نيرودا فطاغور لم يكتبوا شعرا موزونا مقفى ، وملأت أشعارهم الدنيا ولا تزال ، رغم أن الترجمة تهضم حق بعض الصور الشاعرية ، كمال قال طاغور ، عندا وصف شعره بأنه فقد نصف قيمته عندما قام بترجمته بنفسه ألى الإنجليزية ، ورغم ذلك بقي جميلا وحاز على جائزة نوبل .
الكتابة شعرا ونثرا ليست اسود وأبيض ، فالنثر الجميل المليء بالكلام الجميل والأحاسيس ، كنثر نزار قباني مثلا ، يترك في نفس القارئ أثرا أجمل بكثير من الشعر المعلب الخالى من المشاعر .
كانت لدي فرصة ذهبية في هذا الحبس المنزلي ، بسبب الجائحة الكورونية ، أن أقرأ وأعيد قراءة هذه المجموعة الشعرية وأعترف أنني كنت أتوقف أثناء القراءة لثوان لأستعيد استكمال الصورة الشعرية .
كانت روز موفقة إلى أبعد حد في اختيار الكلمات والأوصاف والصور الشعرية الجميلة الزاخرة بالأحاسيس ، التي تجعل القارئ يستعيد قراءتها أكثر من مرة .
ولن أطيل عليكم فلست في مقام الناقد المحترف ، وإذا أردت أن أصف شعوري عندما وضعت الكتاب جانبا ، أنني كنت كمن كان ينظر إلى ثوب فلسطيني مطرز .


Comments