ديمة جمعة السمان" القنديل.. حكايات من ضوء الذاكرة"
تندرج مجموعة «القنديل» ضمن أدب اليافعين الذي ينهض بوظيفة ثقافية وتربوية وجمالية في آنٍ واحد. وهي تحاول أن تجيب عن سؤال مهم: كيف يمكن أن نحافظ على الذاكرة الثقافية في عالمٍ سريع التغيّر دون أن تتحول الكتابة إلى خطابٍ وعظي؟
منذ العنوان، تضع الكاتبة القارئ أمام رمزٍ غني بالدلالات؛ فالقنديل له عدة دلالات.. فهو رمزٌ للمعرفة، وللهداية، وكأن المجموعة بأكملها تحاول أن تكون هذا القنديل الذي يحفظ شعلة الهوية من الإنطفاء.
تتكىء المجموعة على ركيزتين متكاملتين: الهوية والقيم. فالكاتبة تقدّم التراث بوصفه رصيدًا ثقافيًا يساعد الإنسان على فهم الحاضر وبناء المستقبل.. فهي ترفض القطيعة مع الماضي، وتصرّ على جعل التراث عنصرًا حيًا داخل الحكاية، يتحرك مع الشخصيات ويؤثر في قراراتها وسلوكها.
كما تعتمد القصص بناءً سرديًا واضحًا يقوم على حدث محدد وشخصيات قليلة، بما يتناسب مع الفئة العمرية المستهدفة. وتحرص الكاتبة على أن يبقى الإيقاع متوازنًا، مراعية ألا يطغى الوصف على الحدث، وعدم تحويل الفكرة إلى خطبة مباشرة.
وقد نجحت في كثير من المواضع في جعل الحدث نفسه هو الذي ينتج القيمة، بدل أن تُفرض القيمة على القارئ من الخارج، وهي ميزة مهمة في أدب الأطفال واليافعين.
كما أن الكاتبة تجنبت رسم الشخصيات البطولية بالمعنى التقليدي، فقد كانت شخصيات قريبة من الواقع، تتحرك داخل الأسرة أو المدرسة أو المجتمع المحلي، مما يجعل الطفل أو اليافع قادرًا على التماهي معها. كما اعتمدت الكاتبة في قصصها على المواقف اليومية الصغيرة التي تكشف الأخلاق والقيم.
أمّا المكان فقد كان حاضرا بوضوح، بوصفه حاملًا للهوية. فالبيت، والحارة، والطبيعة، والموروث الشعبي، جميعها تتحول إلى شخصيات صامتة تشارك في تشكيل المعنى لإيصال الفكرة.. ولذلك يشعر القارئ أن القصص تدافع عن التفاصيل الصغيرة التي تصنع شخصية المجتمع.
أمّا اللغة فقد تميزت بالوضوح والانسياب، مع المحافظة على المستوى الأدبي والجمالي. وقد وظفت الكاتبة بعض المفردات التراثية في سياقها الطبيعي، فمنحت النص نكهته المحلية دون أن تثقل على القارئ.
ومن أهم ما يميز المجموعة أنها تحاول تحقيق توازن بين الفن والرسالة. فقد حرصت القصص عن بعدها التربوي، عبر تطور الأحداث بعيدة كل البعد عن المباشرة.
ومع ذلك، فإن بعض النصوص كان يمكن أن تترك مساحة أوسع للقارئ كي يستنتج القيمة بنفسه، لأن الأدب يبلغ ذروته عندما يثير التفكير أكثر مما يقدّم الإجابات الجاهزة.
وختاما.. تقدّم الدكتورة روز اليوسف شعبان تجربة تنتمي إلى الأدب الذي يؤمن بأن الثقافة تبدأ من الطفل، وأن الهوية تُبنى بالحكاية قبل أن تُبنى بالشعار، في زمن تتعرض فيه الذاكرة الثقافية لضغوط متزايدة، تهدف إلى اغتراب الهوية وفقدان الجذور.


Comments