حوار مع الكاتبة د. روز اليوسف شعبان في مجلّة حوارات
1.كيف ترى الكاتبة روز اليوسف شعبان الكتابة بصفة عامّة؟
الكتابة بشكل عام هي بوح الكاتب لما يعتمل في نفسه من مشاعر وأحاسيس، وما يجول في ذهنه من أفكار، وتساؤلات، يهمّه التعبير عنها، وكشفها للقرّاء، وقد يكون هذا من أجل إمتاع القرّاء، أو من أجل توعيتهم، أو إثارة فكرهم، أو للترويح عن نفس الكاتب. فالكتابة هي راحة لنفس الكاتب أوّلا، وهي طرح لقضايا تهمّه ويرغب في الكشف عنها.
الكتابة عالم جميل، رغم الآلام التي قد ترافقها، فبعد كلّ مخاض، يولد إصدار جديدـ أو مقال هامّ، أو قصيدة شاعريّة أو,.....، وهذا بالتأكيد يسعد الكاتب.
2.من أين استمدّيت تجربة الكتابة؟ كيف دخلت بحر الكتابة؟ وما أوّل نص كتبتيه؟
نشأت في عائلة تهتمّ بالثقافة والأدب، فأمّي كانت المعلّمة الأولى في قريتنا عام 1958، كانت تشجعنا على القراءة وحفظ الأشعار، وكان والدي يقتتني لنا الكثير من الكتب والقصص، فكنت أقرأ بنهم، وبدأت أكتب الشعر والقصص منذ طفولتي، شجعني على ذلك والديّ وأساتذتي في المدرسة الابتدائيّة والثانويّة. أوّل نصّ كتبته كان قصيدة" أحبّك يا مدرستي" وكنت تلميذة في الصف الخامس، ونشر في مجلة الحياة للأطفال. أمّا أوّل نصّ قصصي نشرته في صفحتي في الفيس بوك فكان قصّة " مها والوباء" 2019، في فترة الكورونا، وأوّل قصيدة كتبتها ونشرتها في صفحتي في الفيس بوك كانت "في جعبتي" عام 2020. ولعلّ دراستي للّقب الثالث في اللّغة العربيّة في جامعة تل أبيب، تأثير كبير على أسلوب ومضامين كتاباتي، فخلال إعدادي لرسالة الدكتوراه في موضوع" المنفى والاغتراب في روايات غالب هلسا" انكشفت على نمط الكتابة الأسلوبيّة، وعلى نظريات فلسفيّة في الاغتراب، مثل النظرية الهيجيليّة، الماركسيّة، الوجودية، نظرية فرويد، نقّاد المجتمع الجُدد، مثل ماركوز، فروم، كلّ هذا أثرى كتاباتي، وصرت أهتمّ بالكتابة عن هموم الانسان واغترابه في هذا الوجود، فجاءت كتاباتي متأثّرة بتيّار الوعيّ وأسلوب الحداثة.
3.أيّ صنف من الكتابة تجدين فيه ذاتك عندما تكتبين؟ ولماذا؟
أجد ذاتي في كتابة الشعر والخواطر والقصص. فحين أكتب الشعر أجدني على ضفاف روحي تأخذني اليها الكلمات، تكتبني في سفر الخلود وطنًا يئنُّ ترزح تحت كاهله الآهات، ترسمني الكلمات لوحة من شقائق النّعمان وشفقًا أُرجوانيًا في صفحة المساء، يسلبُ نظرات العاشقين والعاشقات. تُبعثرني الكلمات حُبيبات طلّ تلثم ثغور الورود والرّيحان، ثم تجمعني قصيدةً صاغها النّهاوندُ ترتيلةً لعشّاق الحبق والجُلنار. تصقلُني الكلمات زيتونةً ترسخ في السّهول والوديان، تعانق النّسائم، تحاورُ البراعم، تظلّل المغادر، تقاوم النّوائب والغِربان. عندها تتعانق روحي مع الكلمات فتخرج القصيدة، وأشعر بالفرح لولادتها.
وفي القصص وخاصّة قصص الأطفال، أكتب من أجل أطفالنا الذين أريدهم أن ينشؤوا على الحبّ والفضائل والقيم الساميّة، أكتب لجيل المستقبل الذي أتمنى أن يكون جيلا واعيا قياديّا مثقّفا، لذا أحاول من خلال كتاباتي غرس هذه القيم في نفوسهم، إضافة إلى إمتاعهم، وإغناء قاموسهم اللغويّ في اللّغة العربيّة، وإثراء خيالهم، ممّا يجعلني أشعر بالفرح والرضا .
4. كيف ترين تجربة الكتابة في العالم العربيّ؟
لا شكّ أنّ هناك قفزة نوعيّة في الكتابة في العالم العربيّ، سواء كان ذلك في المضامين التي تطرح، أو بأسلوب الحداثة الذي تأثّر به معظم الكُتّاب، فغدت الكتابة تواكب تطوّرات وتغييرات العصر. مع ذلك تواجه الكاتب العربيّ تحديّات كبيرة،، مثل الرقابة على المضامين، التي تقيّد الكاتب، فلا تجعله يكتب بأريحيّة وشفافيّة، كذلك الصعوبات في النشر، ولعلّ التحدي الأكبر للكُتّاب هو الهاتف الخلويّ والأجهزة المحوسبة، التي جذبت الشباب والأطفال إليها وأبعدتهم عن الكتاب..
5. مع تطوّر التكنولوجيا هل يمكن يوما أن نستغني عن الكتابة بصفة نهائيّة؟
طبعا لا، فالكتابة تجربة إنسانيّة فريدة لا يمكن للإنسان أن يستغني عنها، قد يستعين الكاتب بالتكنولوجيا من أجل تطوير أدوات الكتابة، أو للبحث وجمع المعلومات وتقصّي الحقائق، لكن التكنولوجيا لا يمكن أن تكون بديلا للإبداع البشري في يوم ما.
6. ما رأيك في الكتابات النسوية بالعالم العربي؟ وأين يمكننا ترتيب الكتابة النسويّة من خلال الإصدارات السنويّة التي ارتفعت مقارنة مع السنوات الماضية أو حضورها في كلّ المجالات الإبداعيّة؟
الكتابات النسوية في العالم العربي تطورت بشكل ملحوظ في العقود الأخيرة، متأثرة بالحركات النسويّة العالميّة، هذه الكتابات تعكس تحديّات النساء في المجتمعات العربيّة، سواء فيما يتعلق بالحقوق، أو الهويّة، أو القضايا الاجتماعيّة التي تمسّ المرأة مباشرة مثل الزواج، الطلاق، والتحرر من القيود المجتمعيّة.
الكتابات النسوية تشمل العديد من الأنواع الأدبية مثل الشعر، الرواية، والمقالات، وقد طرحت مواضيع تؤرّق المرأة، مثل القمع الاجتماعي والجنسي، النضال من أجل المساواة، والبحث عن الهويّة الفرديّة في مجتمعات تسيطر عليها القيم البطريركيّة.
في العقود الأخيرة، شهدت الكتابة النسويّة قفزة نوعيّة من حيث الانتشار وعدد الإصدارات. يمكن ربط هذا الازدهار بزيادة الوعي بقضايا المرأة، والجهود المتزايدة من الكاتبات العربيّات لطرح قضاياهنّ على الساحة الأدبيّة.
إذا نظرنا إلى الكتابات النسويّة ضمن مجمل الأدب العربيّ، نجد أنها باتت تلعب دورًا محوريًّا في تناول القضايا الاجتماعيّة والسياسيّة. أصبحت الكاتبات النسويّات من رواد التحوّلات الفكريّة، حيث يناقشن مسائل حقوق المرأة، والعدالة الاجتماعيّة، وقضايا الهويّة. هذا الحضور القوي يعزّز من قيمة الأدب النسويّ ويجعله جزءًا لا يتجزأ من تطوّر الأدب العربيّ الحديث.
7.ما الكتاب الذي أثّر في تجربتك الإبداعيّة من إبداع تاء التأنيث؟
رواية ذاكرة جسد لأحلام مستغانمي، ورواية ثلاثيّة غرناطة للكاتبة رضوى عاشور. الروايتان جعلتاني أنظر بعمق أكبر لكلّ ما أكتب، وكيفيّة توظيف الذاكرة التاريخيّة والذاكرة المجتمعيّة، في كتاباتي القصصيّة والشعريّة، بلغة شاعرية انزياحيّة ورمزيّة.
ففي ذاكرة جسد استخدمت أحلام مستغانمي لغة عاطفيّة وعميقة، عبّرت من خلالها عن مواقف سياسيّة، حيث تعالج الرواية موضوعات مثل الحب، الفقد، الهويّة، الوطن، وتصوّر التحديات التي يواجهها المناضلون بعد الاستقلال، كلّ ذلك من خلال علاقة حبّ بين خالد الرسام الذي فقد ذراعه خلال حرب تحرير الجزائر، وبين شابّة ابنة رفيقه في السلاح. رأيت في هذه الرواية إبداعا مميّزا مثيرا .
كذلك ثلاثيّة غرناطة لرضوى عاشور، فهي عمل تاريخيّ وأدبيّ بامتياز، حيث تسرد الكاتبة أحداث سقوط غرناطة وآخر أيام الحكم الإسلاميّ في الأندلس. وتبرز الكاتبة آلام الناس وصراعاتهم من أجل البقاء والتمسك بهويّتهم ودينهم وثقافتهم.
الجميل في الروايتين أنّهما تركزّان على الهويّة والذاكرة والفقد. كلّ منهما تعبّر بطريقتها عن هموم الإنسان في مواجهة الفقدان سواء كان وطنا أو ذاكرة.
فالرسالة في الروايتين قويّة جدّا، إضافة الى اللغة الجميلة وأسلوب السرد الشائق.
8. ماذا حقّقت المرأة المبدعة في مجال الكتابة؟
حقّقت ذاتها أوّلا، فالكتابة تعبير عن الذات، كما أنّها حقّقت لها كيانا وفكرا مستقلّا راسخا، فالكثير من الكاتبات رائدات في الكتابة، من حيث المضامين والأسلوب واللغة، وقد أثرين المشهد الأدبيّ والثقافيّ. كما أنّ العديد من الكاتبات حصلن على جوائز أدبيّة مرموقة، وحقّقت كتبهنّ نسبة مبيعات عالية، ونجحن في تغيير الرؤية المجتمعيّة تجاه قضايا معيّنة ومن بينها قضايا تتعلّق بالمرأة.
9. ماذا تضيف الجوائز الأدبيّة للكاتب؟
يتعلّق ذلك بنوع الجائزة، فهناك منصات تمنح الجوائز للكُتّاب عبر الفيس بوك، دون معايير واضحة، أمّا الجهات الدوليّة الرسميّة التي تمنح الجوائز وفق معايير محدّدة وموضوعيّة، فلها وقع أكبر على الكاتب، فمثل هذه الجوائز تعزّز ثقته بنفسه، وتدفعه إلى كتابة المزيد، خاصّة عندما يشعر بتقدير الآخرين له. لكنّها مع ذلك قد تجعله يعيش في خوف وقلق وضغط نفسيّ، خاصّة عندما يبدأ في كتابة كتاب جديد له، فالحفاظ على مستوى عال من الكتابة، يضغط الكاتب نفسيّا، وقد يؤثّر ذلك على كتابته، فيتردّد في إصدار كتابه.
10.ما مشاريعك المستقبليّة؟
إصدار سيرتي الذاتيّة في كتاب، أسميته " إطلالة على نوافذ العمر"، سيصدر قريبا، إضافة إلى إصدار العديد من قصص الأطفال، التي أنهيت كتابتها، وأنتظر جوابا إيجابيّا بمشيئة الله، على نشرها في إحدى دور النشر.
11. كيف ترى روز اليوسف شعبان، الكاتبة روز
أراها كاتبة جادّة، تؤمن برسالتها السامية في الكتابة، والتي من خلالها، تعمل على تصوير واقع بلادها ومجتمعها، بكلّ ما فيه من صعوبات وتحديّات وأحلام وآمال، كما أنّها تحمل رسالتها بكل إيمان، بهدف التأثير على القرّاء، وعلى الأطفال، أراها تغوص في حقول الذّاكرة، مرتع الصّبا، تستنشق فيه رائحة النّعناع والحبق، والفلّ والياسمين، فتحمل لها النّسائمُ، رائحةَ اللّوز والبرتقال وعبقَ الياسمين والجلنار، تصغي إلى رجع صدى العتابا والميجانا في الكروم والبيادر، تقلّها سفينةُ الكتابة في بحر يطال موجُهُ السّحاب، ترافقها النّجومُ، تأخذها في رحلة خارجَ حدود الزّمان والمكان، حيث لا أرضٌ ولا سماءٌ ولا عنوانٌ. بعد رحلتها هذه أراها تشدو مرحًا، فالأفق الواسع لها، لا حدودَ تحدّها ولا جوازاتِ سفر، تعتلي بساطَ الرّيح، تحلّق مع السّندباد، فوق دجلة والفرات وبغداد والشّام ومصر والحجاز، فتبهرها بمكتبتها بغداد، تسحرها بجمالها صنعاء، تدهشها بعراقتها دمشق، تنفحها بنورها زهرة المدائن.
أرى روز الكاتبة تكتب عن كلّ ذلك، تتعمّق أكثر في كتاباتها، تدرس بحور الشعر، تقرأ المزيد من الروايات العربيّة والمترجمة، أراها تمضي في طريق الكتابة بكلّ عزيمة وإصرار وإيمان برسالتها السامية رغم التحديّات الكبيرة التي تواجهها.
12. ما هو الكتاب الذي حلمت أن تكتبيه ولم تتح الفرصة لكتابته بعد؟
كتابة رواية تصوّر حالة الاغتراب التي يعيشها الفلسطينيّ في وطنه وفي المنفى، حتّى الآن لم تختمر الفكرة تماما في مخيّلتي، وأحاول جاهدة، العثور على حبكة متينة، مثيرة، آمل أن أوفّق في ذلك.
13. من ترشّحين أن يكون ضيفا في عدد قادم من مجلّة مدارات الثقافيّة؟
الكاتبة حنان جبيلي عابد، فهي كاتبة مبدعة، ولها العديد من الإصدارات للأطفال وللكبار.


Comments