المرأة بين الكفاح وقيود الأعراف في رواية أطياف للكاتبة وفاء شاهر داري
صدرت الرواية عن دار الرعاة للدراسات والنشر (2025)، لوحة الغلاف للفنان التشكيليّ ناصيف سليمان، تنسيق الشاعر أحمد كزارة، تدقيق: ميّادة سليمان.
هي رواية تجمع في أطيافها، كفاح المرأة ونضالها، أسوة بالرجل، فلكلّ طريقته في الكفاح والنضال، هي رواية المقاومة والتحدّي، والنجاح، والعقوق، وقساوة الاحتلال، والإذلال في الحواجز، والحرمان، والتهجير، وأرشفة النكبة، وقصص التهجير، ولعلّ القرية المهجّرة لفتا، تتصدّر قائمة القرى المهجّرة، خاصّة أنّ والد صافي زوج أطياف هُجِّر منها. هي رواية المرأة "الّتي تكتب كي لا يمحى صوتها، امرأة ذات وجع وذات حلم، ذات وطن مثقل بالحكايات كي لا يقال لاحقًا أنّنا متنا صامتات"(ص 186). وهي رواية الأبناء الّذين يصبحون أطيافًا في حياة والدتهم، تتمنّى قربهم، وتتوق إلى كلمة طيّبة، أو زيارتها بين الفينة والأخرى. لكنّهم يحرمونها من كلّ ذلك، فتبقى أطيافهم الذكرى الّتي ترافق بطلة الرواية حتّى مماتها.
تهدي الكاتبة روايتها إلى المرأة الّتي تمشي داخل المعنى، وتحمل على كتفيها ما لا يقال، وإلى كلّ امرأة عربيّة، وفي القلب، تلك الفلسطينيّة الّتي تتقن أن تمشي حافية على حافّة التاريخ دون أن تنكسر.
نستشفّ من هذا الإهداء، أنّ الرواية تطرح قضايا تتعلّق بالمرأة بشكل عام، والفلسطينيّة بشكل خاصّ، وذلك من خلال قصّة المرأة الفلسطينيّة المقدسيّة أطياف، هذه المرأة التي يُقتل زوجها صافي برصاص جنود الاحتلال وهم داخل مطعم، إلّا أنّها لا تستسلم للحزن، بل تتابع دراستها في موضوع الصحافة وتحصل على لقب الدكتوراه، وتعمل محاضرة في الجامعة، إضافة إلى كتابتها للمقالات يوميًّا، وترهن نفسها لأولادها، تربّيهم، وتبني لكلّ واحد شقّة، وتعلّمهم، فيتعلّم نجم في أمريكا العلوم السياسيّة ويتزوّج أمريكيّة، ويعيش هناك، وابنتها زهرة تتعرّف على شاب يعيش في سويسرا، يأتي لزيارة الأقارب، فيقع في حبّها، ويتزوّجان رغم معارضة أطياف في بادئ الأمر. أما بكرها ورد، فلم يتعلّم ولم يفلح في أيّ شيء، وليس ذلك فحسب، فهو رجعيّ في أفكاره، عارض زواج أخته زهرة من سيف، لأنّه اعتبر هذه العلاقة بينهما مسًّا بشرفه، فامتدّت يده إلى أخته ليضربها، عندها وقفت أطياف كلبؤة تدافع عن ابنتها، ولم تسمح بمشهد الذكورة العمياء داخل بيتها. ولعلّ دلال أطياف الزائد لابنها ورد، جعله بهذه الصفات، فهو كسول، لا يعمل، والدته تلبّي له جميع طلباته، وكان يكره أن يُعرّف بأنّه: ابن إنجازات أمّه"(ص 125).
من خلال قصّة أطياف، نقف على وضع المرأة الفلسطينيّة، الّتي تقيّدها الأعراف والتقاليد، فتخسر أطياف منحة للاشتراك في دورة تدريب عالميّة للصحفيين، والّتي أقيمت في باريس لمدّة ثلاثة أشهر، بعد أن عارض زوجها سفرها إلى الخارج، بحجّة الأعراف والتقاليد قائلا لها:" هناك أعراف لا تُناقش، إنّها كالسيوف المعلّقة في الهواء لا تراها، لكنّك تعرف أنّها قد تهوي متى شاءوا، وأنا لا أريد أن أكون هدفهم، ولا أن تكوني أنت الذريعة"(ص 68). عندها كتبت أطياف في دفترها بحرقة ما يلي:" كان الحلم نافذة لكنّ المدينة أغلقتها، لا لشيء سوى أن اسمي أنثى"(ص 68). على الرغم من هذه الأعراف والقيود، إلّا أنّ المرأة تشارك في النضال الوطنيّ، مثل مي الكرمي صديقة أطياف وزميلتها في الجامعة، التي ترابط في الأقصى، وتعتقل.
وهكذا تتجلّى في الرواية صور عديدة ومتنوعّة للمرأة الفلسطينيّة، المرأة المتعلّمة في الجامعات، المشاركة في النضال الوطنيّ والسياسي، المرأة الحكيمة الذكيّة مثل والدة صافي الّذي رفض والد أطياف تزويج ابنته من صافي، لأنهما تقابلا في حديقة عامّة، فتبدي أم صافي حكمة وعقلانيّة وتقنع والد أطياف بتزويج ابنته من ابنها.
إلى جانب ذلك، تطرح الكاتبة موضوع عقوق الأبناء، فعلى الرغم من التضحيات الّتي قدّمتها أطياف من أجل أبنائها، إلّا أنهم تنكّروا لها، ولم يسألوا عنها إلّا نادرًا. أمّا ابنها ورد فكان أكثر أبنائها عقوقًا، وبعد زواجه أسكن زوجته في بيت والدته على الرغم من معارضة والدته، بينما أجّر شقّته، فاضطرّت أطياف إلى مغادرة بيتها، والعيش عند عمّها، ثمّ اشترت شقّة صغيرة سكنت فيها حتّى مماتها، ولم يكلّف ورد نفسه بزيارة أمّه أو السؤال عن أحوالها.
لقد توسّمت أطياف في أولادها أن يكونوا سندًا لها في شيخوختها، وأن يعوّضوها عن تعبها وتفانيها في تربيتهم وتعليمهم وتوفير حياة كريمة لهم، لكنّهم خيّبوا ظنّها، وأحسّت "أنّ أبناءها مثل أطيافها، أصبحوا أشباحًا تمرّ بها الحياة دون أن تمسكهم بيدها"(ص 88). فتتساءل أطياف: هل كان الوفاء جرمي؟ وهل يكون الهجران عقوبة من تخلص أكثر من اللازم؟ (ص 125-126).
في نهاية الرواية يحضر لزيارتها حفيدها صافي ابن نجم، بعد أن استلم وظيفة ضمن بعثة الأمم المتحدة في رام الله، هذا الأمر أسعد أطياف، وأدخل البهجة إلى قلبها. وتقرّر أن تكتب وصيّة، فتوصي بيتها الذي تعيش فيه لحفيدها صافي، أمّا بيتها الذي سكنه ابنها ورد وعائلته فقد أوصت أن يتحوّل إلى مركز توثيق صحفيّ لعمل مكتبة أو دار أرشيف تحفظ سرديّات النكبة، وهو المشروع الذي كان يحلم بتحقيقه زوجها صافي. وتوصي ألّا يودّعها ورد، ولا يحقّ له أن يحمل نعشها، ولا أن يطلّ بعينيه على وجهها الراحل.
هكذا تعاقب أطياف ابنها العاقّ، وتحرمه من ميراثها، وفي ذلك إشارة من الكاتبة إلى القوّة التي تتمتّع بها المرأة الفلسطينيّة، حتّى في شيخوختها، فتموت بهدوء، دون ضجيج، ويصل الندم بورد حدًّا يجعله يفقد حياته فيموت قبل أن تنزل دموعه.
تميّز السرد في الرواية ب "الرؤية من الخلف": يتميّز السارد فيها بكونه يعرف كلّ شيء عن شخصيّات عالمه، بما في ذلك أعماقها النفسانيّة، مخترقًا جميع الحواجز كيفما كانت طبيعتها، كأن ينتقل في الزمان والمكان من دون صعوبة، ويرفع أسقف المنازل ليرى ما في داخلها وما في خارجها، أو يشقّ قلوب الشخصيّات ويغوص فيها ليتعرّف إلى أخفى الدوافع وأعمق الخلجات. (بوطيّب، 1993، ص. 72.). هذا السرد يروى بضمير الغائب. ورغم ذلك فقد جاء بعض السرد ذاتيًّا على لسان بطلة الرواية أطياف، مطعّمًا بتقنيّات الاسترجاع والمونولوج والتذكّر.
من الأمثلة على السرد الذاتيّ:" أغمض عينيّ أحاول أن أرى وجه الوطن في ظلام الجفنين لكن كلّ ما أراه: أطفال يلعبون فوق أنقاض حلم، وزوج يمسك بيديه ترابًا وما يزال الصوت يهمس لي: لا تحزني يا أطياف نحن لا نموت (ص 16).
:" في ذلك الظهر الغامض، مررنا بشارع صلاح الدين في قلب القدس العامرة، حيث جنود الاحتلال يملؤون الأفق كجراد، وشرطة تعبر الأرصفة كغول جاثم على الصدور"(ص 70).
من الأمثلة على الحوار الداخلي(المونولوج) ما يلي:" تساءلت في نفسها:" هل تبكي كوابيسي في الأحلام؟ :" قالت في نفسها: لا بأس. ما تزال ملامحك تحتفظ ببعض القَبول"(ص 6).
ومن الاسترجاعات ما يلي:" استرجعت بذاكرتها أكثر من ثلاثين عامًا، تذكّرت طقوسها اليوميّة ومظهرها الّذي كان يبدو أصغر بكثير من عمرها الحقيقيّ، تذكّرت ذلك الصباح الهادئ حين أعدّت كوب النعناع و..(ص 9).
:" استعادت مشهد آخر يوم جمعهم في السقف ذاته، الشارع الضيّق في القدس: أطفالها الصغار، يد صافي تمسك بكتفها، وهو يبتسم مطمئنًّا رغم تهديدات الغول الغاشم"(ص 14).
رغم تقنيّات الحداثة التي استخدمتها الكاتبة، إلّا أنّ السرد بضمير الغائب أفقد الرواية عمقًا في المشاعر. من وجهة نظري، لو جاء السرد ذاتيًّا، لكان للرواية وقع أكبر على نفس القارئ، ذلك أنّ السرد الذاتيّ، يأخذ القارئ إلى العالم الذاتيّ لبطلة الرواية، فنطّلع على اختلاجاتها وهواجسها ومخاوفها وتحدّياتها بعمق أكبر.
في الختام أتساءل: هل الدلال الزائد يؤدّي إلى عقوق الأبناء وتمرّدهم؟ وهل منح الأبناء كلّ شيء يجعلهم أطيافًا في حياة والديهم؟ ولماذا تحرم الأرملة نفسها من حقّها في الحبّ والزواج، وتضحي بشبابها من أجل أبنائها، في حين لا يقدّر المجتمع ولا الأبناء هذه التضحية؟




Comments