قراءة في كتاب حوار الأجيال من خلال الصور الفوتوغرافيّة للدكتور جمال عدوي
صدر الكتاب عن مطبعة أبو خليل رام الله (2026)، تحرير: مصعب وليد أبو زيد، تصميم وإخراج سمير حنّون
أهدى الكاتب كتابه إلى روحه والديه رحمهما الله.
يتألّف الكتاب من مقدّمة وأربعة فصول، في بداية كلّ فصل، يتولّى تقديم الفصل الكتاب نفسه، حيث يستعرض فحوى الفصل، وبعدها يستهلّ الكاتب الفصل بعرض قصّة على طريقة الهوك.
أمّا الفصول فهي: 1. وثائق ومقتنيات. 2. أماكن. 3. تراث اجتماعيّ. 4. شخصيّات.
كان الدافع لكتابة هذا الكتاب، وفق ما أشار الكاتب، هو انعدام القيم في المجتمع، وتفشّى ظاهرة العنف، فأراد الكاتب أن يسلّط الضوء على القيم الأصيلة الّتي سادت المجتمع الطرعانيّ في الماضي، وأجواء التسامح والمحبّة والتآخي الّتي عمّت قلوب الناس، وقد أشار إلى ذلك في مقدّمة الكتاب فقال:" فكّرت في طريقة شيّقة أنقل من خلالها حكم الأجداد وقيمهم السامية وتراث البلدة وإرثها الغنيّ في كتاب يكون بوصلة لأبناء الجيل الجديد، يرشدهم إلى الخير أينما حلّوا وارتحلوا ليس في طرعان فحسب، وإنّما في المجتمع ككلّ على مختلف أطيافه. بحيث يقدّم الكتاب إرث البلدة بطريقة تربويّة قائمة على تقديم حوار متخيّل مع صورة فوتوغرافيّة قديمة أو من خلالها. (ص 7).
خصّ الكاتب كتابه لمعلّمي المدارس، حتّى يكون بين يديهم إرثًا يكشفونه لطلّابهم، فيتعلّم الطلّاب من حكم الأجداد وقيمهم وتجاربهم الغنيّة.
ولعلّ اللافت في هذا الكتاب تلك الصورة الملهمة الّتي ألهمت الكاتب لكتابة كتابه لما تحمله من قيم المحبّة والتآخي. إنّها صورة الشيخ محمود شعبان والخوري كامل وهما يلعبان المنقلة، ومعهما رجال من أبناء الطائفتين يشاهدون اللّعبة باستمتاع، أمام أحد البيوت الواقع على الشارع الرئيسيّ، بحيث يراهم كلّ من يمرّ في هذا الشارع.
في فصل الوثائق والمقتنيات يعرض الكاتب العديد من الأدوات التراثيّة مبيّنا أهميّتها واستعمالاتها، مثل: المهباش (آلة لدقّ القهوة)، أدوات فخّاريّة وحجريّة عثر عليها في طرعان يرجع تاريخها إلى القرنين العاشر والتاسع قبل الميلاد، الشاعوب، آلة الدرس أو النورج، استخدمت عند الحصاد لفصل القمح عن الشعير، المذراة، الجاروشة. ومن الألبسة: الطربوش، العباءة.
ومن الآلات الموسيقيّة اليرغول، وصور للدبكة.
في فصل الأماكن استعرض الكاتب صورا لأماكن أثريّة وأخرى مهمّة في طرعان مثل: عين الماء، بقايا مبانٍ من العصر الحديديّ الثاني، وأدوات فخّاريّة يرجع تاريخها إلى القرنين العاشر والتاسع قبل الميلاد، وبقايا مبانٍ من العصرين المملوكي والعثمانيّ، سهل طرعان الّذي مرّ منه المسيح عليه السّلام، درب عكّا وهو درب كانت تمرّ بع قوافل التجّار القادمة من عكّا، ويربط الساحل بباقي البلد والبلاد المجاورة.
كما عرض صورًا للمضافة وكتب عن أهميّتها في الحياة الاجتماعيّة والسياسيّة، وصورًا للسناسل، وللمدرسة الأميريّة الثانويّة، كنيسة الروم الكاثوليك التي بنيت عام 1903، وسمّيت عل اسم المطران غريغوريوس الحجّار الذي بادر إلى إنشائها. كنيسة القدّيس جوارجيوس الّتي بادر إلى بنائها مسيحيون ومسلمون من أبناء القرية.
مسجد صلاح الدين الأيوبي ومسجد أبو بكر الصّديق.
في فصل التراث الاجتماعيّ وضع الكاتب عدّة صور لتراثنا الشعبيّ منها: الدبكة، مبيّنا أهميّة اللوّيح (قائد الدبكة) والذي من خلاله أظهر أهميّة ودور القائد في قيادة الفريق نحو النجاح، إضافة إلى
صور الأفراح والسحجة وطلعة العروس وزفّة العروس، ووضع قطعة العجين على مدخل بيتها.
في فصل الشخصيّات وضع الكاتب عدّة صور لشخصيّات طرعانيّة كان لها دور فاعل في الحياة الاجتماعيّة والسياسيّة من هذه الشخصيّات: رؤساء السلطة المحليّة: المرحوم محمود عدوي، المرحوم ظاهر دحلة، المرحوم يونس نصّار، المرحوم ناجي نصّار، ونائب رئيس المجلس المرحوم يوسف صبّاح في فترة ظاهر دحلة ويونس نصّار.
ومن الشخصيّات الأخرى المؤثّرة: المرحوم حسين عبد العزيز عدوي، المرحوم مصلح يوسف خوري، المرحوم دكتور غسّان خوري، المرحوم عيسى معيوف خوري، المرحوم قدس الأب كامل معيوف سلامة، المرحوم الشيخ الحطّينيّ محمود شعبان، المرحوم الأستاذ محمود عيساوي، المرحوم بروفيسور إبراهيم حسن عدوي، المرحوم الأستاذ لطيف سلامة مدير المدرسة الثانويّة، المرحوم الأستاذ توفيق دحلة مدير المدرسة الابتدائيّة "أ"، المرحوم محمد حسن خطيب، المرحوم علي سعيد خيرالله، المرحوم سليمان عبد الحليم عدوي، والأستاذ د. جمال عدوي مؤلف هذا الكتاب، المدير السابق للمدرسة الثانوية ومفتش ومحاضر في كليّة سخنين.
أسلوب الكاتب:
اعتمد الكاتب في أسلوبه على حوار متخيّل بين الإنسان والصور الفوتغرافيّة، وبين الآثار والإنسان، وبين الأحفاد والأجداد. امتزج الحوار بلغة واقعيّة وأخرى شاعريّة، تخلّله تناصّ واقتباسات لأقوال مأثورة وأبيات شعر، إضافة إلى وصف بعض المواقع الأثريّة بلغة شاعريّة.
في وصفه لاجتماع الضّدين بين السهل والجبل استشهد ببيت الشعر التالي:
ضدّان لمّا استُجمعا حسُنا والضدُّ يُظهرُ حسنَهُ الضدُّ (ص 45).
ومن الوصف الشاعريّ لعين الماء في طرعان ما يلي:
في طرعان عين ماء حفرت جذورها في أعماق جبل أشمّ، لتلامس واديا حفّته أشجار دائمة الخضرة حتّى إذا حلّ الشتاء وتدفّق السيل امتزجت مياههما لتسقي بلدة زينتها أهلّة المساجد وأجراس الكنائس، تتوسّطها مضافة يلعب في باحتها شيخ وخوري لعبة المنقلة بصبرٍ وتأنٍّ مزجا بألفة ومحبّة. أما سهلها فمان في غنى عن العين والوادي فسنابله الذهبية التي أقسمت أن ترقص مدى الدهر فرحا بمرور المسيح وتلاميذه آثرت أن تشرب من ماء السماء فقط لأن طريق الأنبياء هي طريق السماء (ص 51).
وفي وصفه لوادي الجربان في قرية طرعان استشهد بهذه الأبيات:
مررتُ مرورَ ملتاعٍ وظمآنٍ
قبيل العصر أغترفُ
فما روى الظمأ منّي ظهورٌ منك يُختطَفُ (ص 46).
وفي حوار عين الماء مع أهل القرية ما يلي:" سامحوني يا أهل بلدي، حجارتي ضعفت ولم أستطع أن أبقى واقفة حتى زمانكم. وتقول الحجارة: اصحبوا أولادكم لزيارتي وحدّثوهم عن تاريخي (ص 48).
ومن الجمل الشاعريّة ما يلي:": ترى السهول الممتدّة ترنو إلى الأفق وعندما تصفو السماء ساعة يتسيّد جبل الشيخ أفق السهل مؤذنا بمولد عالم آخر (ص 44).
:" في أيّام الأحد تمتزج صلوات الشكر والابتهال بهمسات الروح لترافقنا البركة في طريق عودتنا محمّلين بنور الأحد وشوق للقاء قادم (ص 70).
من صور الأجداد يستلهم الكاتب العبر من خلال الأمثال الشعبيّة:الضرب في الفاس ولا جميلة الناس
ظلّك جوعان ولا تطلب من منّان
هين مالك ولا تهين حالك
القمح والزيت سبعين في البيت
لا توكل في الدين ولا تنام تحت الرجلين
اللي بطلع من داره بقلّ مقداره (ص 84).
القيم التربويّة في الكتاب:
ظهرت في الكتاب قيم تربويّة وذلك من خلال وظيفة اللوّيح (قائد الدبكة): اللويح يقدّم لنا فلسفة إداريّة وهي أنّ القائد في كلّ مكان يجب أن يكون الأكفأ، صامتًا، مدركًا قوّة أتباعه، قادرًا على شحذ همهم، مبادرًا إلى تقديم النموذج الأفضل(ص 88).
ومن نصائح الآباء للأبناء ما ظهر في الحوار التالي بين الأم وابنها. الأم: تذكّر يا بنيّ أن تنظر دائما إلى ما أنعم الله به عليك، حينها ستكون راحة البال والسعادة والرضا أصدقاء روحك، ولن يعرف أعداؤك طريقهم إليك (ص 72). أعداؤك هم أعداء البشريّة: الحسد، والغيرة، والحقد، والكراهية. هذه الصفات عندما تدخل في نفس إنسان تبثّ سمومها فيه وتتملّكه، فتفرّق بين الأخ وأخيه، وبين الصديق وصديقه، فاحذر منها يا بنيّ (ص 72).
وفي حوار بين والد وابنته عن الحاسوب نستشفّ قيمة صدق القيم والأخلاق:" كلّ ابتكار يبقى رهينة للنيّة التي تحرّكه فإذا كانت النيّة طيّبة كان وجه التاريخ جميلا، لذلك يا بنتي مهما تطوّرت الابتكارات تبقى القيم والأخلاق هي الأساس (ص 73).
وعن قيمة المحبّة نجد في الحوار التالي: الآثار تقول: ليس المهم قوّة الإرادة المهمّ قوّة المحبّة التي تربط بين من يسكنون بين الجدران (ص 55).
وعن خلود الروح وفناء المادة في الحوار التالي بين شخص ونافذة:
-لماذا أغلقت الباب وتركت النافذة مفتوحة
-نافذة الروح لا تغلق يا صديقي
-هناك من أغلقوا نافذة روحهم وأعمتهم المادّة
-الروح خالدة والمادّة فانية (ص 57).
ومن الأسئلة الفلسفيّة ما يلي: هل نحن البشر مجرّد غياب على سطح هذه الأرض؟ نحن لسنا غبارا نحن قيم تبحث عن السموّ (ص 68).
ومن قيم التآخي تلك الصورة الفريدة التي تظهر الشيخ محمود شعبان والخوري كامل وهما يلعبان المنقلة، كذلك بناء كنيسة القديس جوارجيوس بمساعدة وتبرّع من أبناء المسلمين والمسيحيين في القرية.
كما أنّ المهباش يحمل قيما عديدة: كإكرام الضيف، وحفاوة الاستقبال، ومتانة الصداقة (ص 103).
ومن قيم التسامح والمحبّة ما يحدّث به أحد المعلمين طلابه: هكذا يا أبنائي الصداقة والمحبّة يجب أن تصان مثلما تصان المجوهرات أما الأوساخ الطارئة فتنظف سريعا بالعتاب اللطيف والمصارحة.
وفي يوم التراث الذي أقيم في إحدى مدارس القرية، يتخيّل الكاتب أحد الأجداد يخاطب الطلّاب قائلا: يا أبنائي من لا يعرف أن يجلس على الأرض بهدوء، لن يعرف كيف يقف على قدميه بثبات في مواجهة الرياح (ص 122).
ويقول أحد الأجداد للطلّاب: لا تنسوا أنّ التراث ليس مقتنيات وحكايات فقط، التراث قيم وأخلاق وعادات وتقاليد علينا أن نركّز على هذه المضامين خلال عروضنا كلّها (ص 124).
وجد آخر يقول: بادروا إلى الخير مهما كان صغيرا، وأصلحوا أنفسكم تصلح ذات بينكم، ويسود الرضا قلوبكم (ص 147).
ومن خلال صورة الحاجّة خديجة يوسف عدوي تخيّل الكاتب حوارًا يدور بينها وبين حفيدها، فتقول: الناس تبحث عن السعادة في المادّة، والمادّة لا تقدّم سعادة.
الحفيد: وما الذي يقدّم السعادة؟
الحاجّة: السعادة يا حفيدي في راحة البال والرضا بما قسم الله. الناس في هذه الأيّام لديهم رزق كبير، أضعاف أضعاف ما كنّا نملكه، ومع ذلك لا يشعرون بالرضا هذه مشكلتكم يا حفيدي، لم تعودوا تشعرون بنعم الله عليكم، لذلك أشعر بالحزن عليكم (ص 132).
تضمّن الكتاب أيضًا العديد من الشعر والأمثال والحكم وقصيدة رثاء كتبها الأستاذ المرحوم جريس دبيات لصديقه المرحوم الأستاذ محمود عيساوي.
يمكن القول إنّ كتاب حوار الأجيال، كتاب ماتع، يتعلّم منه الكبير والصغير الكثير الكثير عن تراث الأجداد وحكمهم، عن العادات الأصيلة، والمحبّة والتآخي التي سادت بين سكّان القرية، وفيه وصف للكثير من المواقع الأثريّة المهمّة في قرية طرعان، إضافة إلى التعرّف على رجالها والعديد من الشخصيات التي أسهمت في تطوير البلدة وكان لها دور فاعل في عدّة مجالات: ثقافيّة، اجتماعيّة، تربويّة، سياسيّة، دينيّة وغيرها....
كتاب حوار الأجيال، فيه مزج طريف بين الخيال والواقع، من خلال الصور الفوتوغرافيّة، صيغت حواراته بلغة جميلة انسيابيّة تختلط فيها الشاعريّة واللغة الوصفية واللغة الحواريّة الواقعيّة.
لا شكّ أنّ هذا الكتاب سيسهم في تعزيز قيم المحبّة والتآخي بين الناس، وقيم الانتماء والعطاء، ممّا يسهم ذلك في التخفيف من ظاهرة العنف.



Comments