top of page

رحلة سيزيف في بحار من الألم والألم

rozshaban
Aug 15
3 min read

سيزيف وبحار مجموعة شعرية للكاتب أسيد عيساوي، والصادرة  عام 2019 عن دار الوسط للنشر والاعلام.

تصوّر هذه المجموعة الشعريّة، رحلةَ العذاب  للشعب الفلسطينيّ، الذي تجعله القراراتُ الدوليةُ كرةً يتقاذفها الزعماءُ في المحافل الدولية، لتطفو على بحارٍ من الوهم والضياع.

هي رحلةٌ تحمل تاريخًا من العذاب، وتنوءُ بذكرياتِ حضارةٍ انتُهِكت وقُذِفت في الأنهر والبحار، تتلاطمها الأمواجُ، فيطفو المدادُ ويعثو هولاكو في بغدادَ الفساد:" يا بحار: لماذا اسودّت مياهك؟ هل عاد هولاكو إلى بغداد وسلّط سيوفه على رقاب العباد؟ وقذف بالنهر المداد؟" ص 11.

سيزيف وبحار قصيدةُ عشقٍ لجفرا، للسنابل والوديان، لجبال الزيتون والتوت والزعتر والرمان هي نداء لجفرا بأن تأخذ بيد كنعان، فتمنحه الأمان:" مُدّي ذراعك يا جفرا لأضع عليه رأسي. مرهق أنا.. يكاد اليأس يملأ كأسي مدّي يدك يا جفرا وخذي بيد كنعان، رجلاي لا تقويان على حملي من كثرة التجوال بحثا عن السنابل بين الوديان" ص 15.  هي رحلة العودة المتّوجة بالشوق والحنين إلى الأزقّة العتيقة إلى الزهرة الشامخة في ثرى الوجدان.

  هي رحلة الصمود والتشبث بالأرض:" لا، لن أرحل، فأبي هنا كان يحلم، هنا كان يأمل،.. وهنا كان يعمل، وزيتونتي هذه بدمه القاني رواها، بعرقه ودموعه سقاها فهل أنساها" ص 90.

وهي رحلةُ  البحث عن أملٍ وشوقٍ للأمان، وذعرٍ من قتلِ الإنسان لأخيه الإنسان، حتى غدا قابيلُ صورةً واضحةَ للعيان. وهي أنشودةُ الحب الأبدي، وانتظارُ النداء ِالناصحِ الذي يُكسّر ويحطّم العبوديةَ والطغيان، ويرسو في شواطئ الأمان. فيولد الحبُ من جديد طاهرا نقيّاً بلا رتوشٍ أو تجميل، فهو اللوتس في جماله، والتفاح في بهائه والبرتقال في شذا أزهاره والجوريُّ في احمراره.

فهل تأتي الحبيبة شوقا وأملا؟ أم تنتظر لحظة الطواف في معبد الحرية والسلام؟ تنتظر انبلاج الفجر، فتطوف في الجبال والوديان، ترى اسمها مرسوما في دموع الأطفال، وجدران البيوت والطرقات، ممزوجا بدماء الشهداء، وعرق الشباب، وبالغبار العالق بحذاء أمٍّ تحضن ابنها تحميه من أنياب الزمان ووحشة المكان. وتبقى الحبيبةُ، النشيدَ واللحنَ والفأسَ والمحراثَ والتينَ والصّبّارَ والقمحَ والخبزَ وحلاوةَ الانتظار. فاليأسُ غادر قاموسَ كنعان، والذئب ظلّ رمزا للغدر وانعدام الأمان، فكيف له اختراق جسورٍ من الأجساد تحمي الديارَ والطفلَ وحدائقَ النعناع ؟

لكنّ الذئبَ ورغم صلابة الأجساد يعبر شارةَ المرور، وتهطل ديمةٌ من العذاب ويتفجّرُ  نبعٌ من دماء الشهداء وتغفو ابتسامةٌ في وجه الزمان.

أمّا الحبيبةُ فهي  دوما تلبي النداءَ، وتزهو بسنابلها الذهبية وكرمتِها العطريّة وزيتونتِها الأزليّة وبرتقالتِها اليافويّة. وهي وإن بعُدت فلا بدّ أنها ستعود مع كانون رغم أنف الطاغية الذي باعها في المزاد ونهب ثرواتِها، فلا بُدّ للشعب أن يثورَ على طاغيته، على الخيانة والغدر، وتحطيمِ التابوت، فهي وإن وضعت فيه، وقُتلت دون رحمة، واغتُصِبت دون رأفة، لا بد أن تعود لها الحياة.

لأنها الأمُ والصديقةُ والزوجةُ والحبيبةُ والسندُ والمعينُ، هي المرأةُ الوطنُ بكل جماله ومرارته وعذابه. فكيف لا يتحرّق القلبُ شوقا إليها؟ وكيف لا يركبُ المغتربُ البحارَ ليعودَ إليها؟.

سيزيف وبحار رسالةُ الصمود وكنسُ الاحتلال وقصةُ البلد المحفوظةِ في حقائب الترحال، بين صور جلجامش وعشتار وغصن زيتون من كنعان، محفورٌ عليه

:" على هذه الأرض ما يستحق الحياة"، أرض الآباء والأجداد ترددت في رباها نداءاتُ ناصر في التحرر من الاستعمار:" عيش، حريّة، وعدالة اجتماعيّة"ص87. وصلواتُ القديسين ونداءاتُ المظلومين والمهجّرين، واستغاثاتُ النساء والرجال والأطفال من أذى الغربان ومن رؤوسٍ باللّحى تتدثّر، فغدت الشهباءُ حزينةً تبكي بواسلَها، وتتحرق ألما على معالِمها، فيمتزج ألمُها بألم اليمن الذي كان يوما سعيدا ثم صار حزينا وحيدا، ويعلو النحيبُ سماءَ بلد الرشيد، وسارت القوافل تسوق الرجالَ كالعبيد.

"آهٍ عشتار!!! قمحنا يحترق، والديدان نملأ المروج، اللوز يُقلع والزيتون يُقطع، آهٍ عشتار آه، كيف هاجمتنا الذئاب وحوّلت الأطفال أشلاء؟ قولي يا ابنة الأرباب هل سيعود تمّوز؟" ص 134-135. تدلّ هذه الأسئلة على أملٍ مبطّن، فالشاعر يؤمن أنّ شمس البحار ستنهض من نومها وتُضيء لسيزيف سبلَ الخلاص، وهو خلاصٌ لشعبٍ تاق لحريّته وكرامته، ليبقى الأمل أنشودةَ العودة بعد الترحال!


Comments


للحصول على الأصدارات، لترتيب ندوات وورشات، تواصلوا عبر النموذج المرفق:

 

© 2026 By Roz Elyousef Powered and secured by Wix 

 

bottom of page