مقاومة العجز في رواية أحلام القعيد سعيد
- rozshaban
- Feb 4
- 3 min read
صدرت رواية أحلام القعيد سعيد للكاتب نافذ الرفاعي عن مكتبة كلّ شيء حيفا، 2025، صمّمها شربل إلياس، ودقّقتها الكاتبة نزهة أبو غوش.
أحلام القعيد سليم ليست كأحلام الناس العاديين، وإنّما هي أحلام فيها الكثير من التحدّي والصعاب، حتى يخال القارئ أنّ هذه الأحلام تكاد تكون مستحيلة التحقيق، فكيف يصعد شخص قعيد زحفًا على بطنه على جذع شجرة الجمّيز ليصل أعلاها؟
تنطوي هذه الرواية على فكر فلسفيّ يعتمد المقاومة في مكافحة العجز. فمن جهة يمثّل جسد القعيد سليم العجز والضعف، في حين يمثّل عقله وفكره الحرّ الطليق، المقاومة التي تعتمد العقل والحبّ سلاحا مطعّما بالأمل والمغامرة والرغبة في الحياة. أوليست الحياة مغامرةً كبيرة؟ وهل كان سليم سينجح في بلوغ القمّة لولا وجود حبيبته عواطف إلى جانبه، تمدّه بالحبّ والأمل والتشجيع؟
هذا التناقض بين العجز والرغبة في تحقيق الأحلام، يواجه كلّ إنسان في هذا الوجود، ففي داخل كلّ واحد عجزُ ما، قد يكون العجز جسمانيّا وقد يكون نفسانيّا وقد يكون وجوديّا وشعوريّا، ولن تكتمل المقاومة وتنجح إذا لم تتسلّح بالإيمان العميق البعيد عن المظاهر والشكليّات والسطحيّات، وهو أشبه بالإيمان الصوفيّ الذي يجعل الإنسان متّحدا مع الله، ممّا يمنحه ذلك القوّة، والثقة بالنفس.
فهل أراد الكاتب في روايته أن يسلّط الضوء على فئة المقعدين من ذوي الاحتياجات الخاصّة ليبثّ فيها الأمل، أم أراد أن يجعل كلّ واحد منّا يتحرّر من عجزه وضعفه بعد أن يتسلّح بالإيمان الحقيقيّ ويتزوّد بالأمل والإصرار؟ أم هي رؤية شموليّة أكثر نحو الدول العربيّة المقعدة المنبطحة والزاحفة تحت أرجل حكّام العالم، أن تنهض من عجزها لتصل القمّة المرجوة؟ أو ربّما أراد كلّ ذلك؟
يؤكّد الكاتب أنّ سليما كان مقعدًا، لكنّه كان سليم العقل، فكان فكره حرًّا طليقا، وربّما اختيار الاسم سليم لم يكن محض صدفة، وإنّما هي إشارة واضحة إلى أهميّة تفعيل العقل وإعمال الفكر في إيجاد حلول للمعضلات وإن بدت هذه الحلول غريبة أو مستحيلة، لكنّها حتما ستنجح وتحقّق الأهداف المرجوّة.
ولذا قرّر سليم أن يتحرّر من تبعيّته للآخرين فابتكر طرقا عديدة وعجيبة، مكّنته من تحريك سريره ورفعه الى السطح وإنزاله إلى الحديقة بواسطة بكرات ودواليب وضعت في سريره، ورغم سقوط السرير عدّة مرّات وإصابة القعيد بالكسور إلا أنّه لم يستسلم وتابع إعمال فكره في إيجاد طرق وحلول تمكّنه من إعالة نفسه وعائلته، ففتح بقّالة، وبدأ يبيع فيهها وهو منبطح على بطنه في سريره المتحرك، ثمّ انتقل للسباحة وأخذ يسبح مع عواطف وشعر بفرح كبير، واشترى سيارة ووضع فيها سريره، قاد السيارة ابن عمّته لكن سليم أصرّ على قيادتها، أجرى عمليّات قص ولحام للمقعد المجاور للسائق ليتحوّل إلى وضعيّة السرير وعدّل في أحزمة الأمان، صنع له أصدقاؤه سريرًا متحرّكا قابلا للطيّ يوضع في الشاحنة، وحين قاد السيّارة في منزلقات خطرة، انقلبت. كما شارك في سباق دوليّ لركوب الخيل، كان الحصان جامحا وحين سحب المدرّب من يده اللجام وضرب الحصان بالسوط على وجهه انطلق كالمجنون، حاولوا إيقافه، ولدى توقّفه المفاجئ طار سليم عن ظهره وارتطم بالأرض. (ص 124).
حوت الرواية العديد من الرسائل الإنسانيّة، منها التطوّع من أجل خدمة المجتمع، وقد أشاد الكاتب بالمتطوّعين الأجانب الذين يتطوّعون في دور العجزة والمسنّين، بعد أن حقّقت لهم حكوماتهم كل وسائل الراحة ووفّرت لهم جميع احتياجاتهم، فتفرّغوا للعمل الإنسانيّ، ليشعروا بالاكتفاء والسعادة. فأين حكومات الدول العربيّة من ذلك؟ متى سيعيش المواطن فيها حرًّا كريمًا ليتفرّغ للأعمال الإنسانيّة والتطوعيّة؟
كما أظهرت الرواية دور تكاتف الأسرة وتعاونها من أجل مساعدة ابنها القعيد سليم، رغم غياب دور الأب الذي غاب في عالم السكر والحانات، لكنّ أخته أمل كانت الأمل بالنسبة له، إذ رأى سليم فيها مشروعه الشخصيّ وحلمه الذي لم يتمكّن من تحقيقه، فاهتمّ بأن تتلقّى تعليمها في دار المعلّمين وعمل على أن يجعلها مثقّفة فشجعها على القراءة والنقاش، وعدم الاكتراث بالمظاهر قائلًا لها:" الزيّ الثمين والموضة هي شكل يا أختي العزيزة، أمّا الثقافة والعلم، فهما المقياس المستقبليّ للحياة"(ص 43).
أسلوب السرد:
اعتمد الكاتب في سرده تقنيّة الاسترجاع والمونولوج والأحلام خاصّة أحلام اليقظة، فكان في كلّ خطوة يتقدّمها في صعوده على شجرة الجمّيز، يستذكر مشاهد من حياته، بل ويدمج معها قصّة حبيبته عواطف وحياتها البائسة مع طليقها في بلاد الغربة، وعودتها إلى الوطن، لتعود إلى حبيبها الأوّل سليم، رغم أنّه أصبح مقعدا، كما كان يستذكر أحداثًا تتعلّق بصديقه الوفيّ الّذي سمّاه الفوضويّ.
هذه الذكريات والأحلام تمنح القعيد سليم شعورًا باللّذة والفرح، فنجده يسترسل في قصّة حبّه مع عواطف، ورسالته الأولى لها، غيابها وزواجها وطلاقها وعودتها ثانية إليه، لتكون له السند والأمل في مقاومة عجزه.
هكذا طوّع الكاتب الزمن واختزله في مشاهد وذكريات في فترة زمنيّة قليلة، جمع فيها كلّ الذكريات وكلّ الأمكنة التي عاشها سليم وسائر الشخصيّات في الرواية.
مبارك للكاتب نافذ الرفاعي هذه الرواية الشائقة المثيرة.




Comments