top of page

الوحدة والعجز في منزل الذكريات

  • rozshaban
  • 2 hours ago
  • 10 min read

د. روز اليوسف شعبان


منزل الذكريات رواية قصيرة للكاتب محمود شقير، تقع في 176 صفحة من القطع المتوسّط، صدرت الرواية عن نوفل هاشيت أنطوان، 2024، تصميم داخلي ماري تريز مرعب، تحرير روان عزّ الدين.

  تطالعنا الصفحة الأولى من الرواية، باقتباسين أخذهما الكاتب محمود شقير من رواية " منزل الجميلات النائمات" للكاتب الياباني ياسوناري كاواباتا، ورواية " ذكريات عن عاهراتي الحزينات" للكاتب جابرييل  غارثيا ماركيز، مما يشير إلى ملامح مشتركة  بين هاتين الروايتين ورواية محمود شقير منزل الذكريات.

تتناول رواية "منزل الجميلات النائمات للكاتب ياسوناري كاواباتا، تأمّلات في الشيخوخة، الوحدة والموت، حيث يدخل بطل الرواية العجوز إيجوتشي، إلى منزل غامض يقدّم خدمة غريبة، قضاء ليلة بجانب شابّة نائمة تحت تأثير المنوّم، دون أن يسمح له بلمسها.

   تحكي رواية " ذكريات عن عاهراتي الحزينات" لغابرييل غارثيا ماركيز، عن صحفي عجوز يقرّر الاحتفال بعيد ميلاده التسعين بالدخول في علاقة مع فتاة مراهقة فقيرة، ليتحوّل هذا البحث عن اللذة، إلى تجربة تأمليّة حول الوحدة والشيخوخة.

   وبطل رواية منزل الذكريات للكاتب محمود شقير، عجوز تجاوز الثمانين، تموت زوجته سناء، فيبقى وحيدا، فيلجأ إلى الأحلام حيث يلتقي فيها بزوجته الراحلة سناء، فيخالها تنام إلى جانبه حتى الصباح. كما يلتقي في منامه، ببطليّ روايتيّ ياسوناري وماركيز، يتبادل ثلاثتهم، الشكوى والحنين للشباب والحبّ وعلاقاتهم الغراميّة، وما فعلته الشيخوخة بهم. غير أنّ بطل منزل الذكريات_ محمد الأصغر_ لم تكن له علاقات غراميّة في شبابه؛ بسبب البيئة المحافظة التي نشأ فيها، ورغم أنه أحبّ في مراهقته ابنة صفّه، من خلال النظرات وبعض عبارات الحبّ الخاطفة، إلا أنّها تزوجت مبكّرا ولم تنتظر محمد، فتزوّج من سناء، التي تعرّف عليها في المحكمة الشرعية، بعد طلاقها من زوجها.

    بعد وفاة سناء، يعاني محمد من وحدة قاتلة، خاصّة أنه لم ينجب أولادا، فيأتيه صديقه رهوان في الحلم، ويأخذه إلى بيت فريال التي تُقدِّمُ فيه خدمات للمسنّين مستعينة بفتيات جميلات، كتلك التي تقدم في رواية منزل الجميلات النائمات. يدخل محمد الأصغر مع الشابّة الجميلة سميرة إلى غرفة النوم، وهنا يستذكر الراوي بطل رواية الجميلات النائمات وبطل رواية " ذكريات عن عاهراتي الحزينات:” استحضرت عجوز كاواباتا فلم يتخلّف عن الحضور وفي اللحظة التالية أطلّ عليّ من مكان ما في الغرفة عجوز ماركيز من دون أن أستدعيه. رأيته يحدّق في جسد سميرة بفضول وشبق كما لو أنه محروم من متعة الأجساد منذ أمد طويل. أحسست باستمتاع وأنا مستلق بالقرب من جسدها، وقلت لنفسي: هكذا تكون التجارب الحسيّة وإلّا فلا. ولم يلبث العجوزان أن ابتعدا وغابا قلت: أخذتهما الغيرة لأن جمال سميرة لا يضاهى" ص.37

     ثمّ تأتي الجارة أسمهان إلى بيت محمد الأصغر بحجّة جمع ملابس سناء للتبرّع بها للمحتاجات، صدقة عن روحها، وتبدأ بإغواء محمد الأصغر، الذي يحلم بها ليلا، فيأتي أخوها جميحان، مدّعيا أن على محمد الزواج من أخته لأنّه حلم بها وإلا ...، يتزوج محمد من أسمهان مرغما، منذهلا كيف عرف جميحان بأحلامه؟ يرغم جميحان العجوز محمد بالتنازل عن البيت والأرض له، ويجعل العصمة بيد أخته لتطلّقه (تخلعه)متى شاءت.

   تنتهي الرواية بخروج أسمهان من البيت وسيطرة جميحان على البيت بعد أن طرد العجوز محمد منه.  

اللافت في رواية منزل الذكريات أنّ الكاتب محمود شقير، جعل أبطال روايته، نفس أبطال مجموعته القصصيّة " حليب الضحى" والتي كتبت عنها في كتابي" سمات الحداثة في الرواية العربيّة المعاصرة" الصادر عن دار سهيل عيساوي (2024)، وقد رأيت في المجموعة القصصيّة حليب الضحى، رواية لم تكتمل بعد. فهل منزل الذكريات تتمّة لرواية حليب الضحى؟ أم هي فصل آخر من فصولها؟

     وما يميّز هذه الرواية أيضا، خاصيّة الشعب الفلسطينيّ الذي يعيش تحت الاحتلال ويعاني من ويلاته، حتّى أنّ العجوز محمد الأصغر لا يسلم من ملاحقة الجنود واعتقاله والتحقيق معه، إضافة إلى اعتداءات المستوطنين على بيته وعلى بيوت السكّان، بينما يعيش بطلا روايتي "منزل الجميلات النائمات وذكريات عن عاهراتي الحزينات، بأمن وأمان. بخلاف محمد الأصغر، الذي يعاني من ويلات الاحتلال إضافة إلى وحدته وعجزه واغترابه.

أسلوب السرد:

تميّز السرد في الرواية ب"الرؤية مع"، أو "الرؤية المصاحِبة": وهي رؤية سرديّة كثيرة الاستخدام في روايات الحداثة، إذ يُعرض العالم التخييليّ من منظور ذاتيّ وداخليّ لشخصيّة روائيّة بِعينها، من دون أن يكون له وجود موضوعيّ ومحايد خارج وعيها. ويكون السرد في ضمير الأنا (سرد ذاتيّ). (شبيب، 2013، ص. 117.) مستخدما الكاتب تقنيّة الاسترجاع، الحوارات الداخليّة (المونولوج)، الأحلام والكوابيس. وقد سيطر الحلم على معظم السرد في الرواية.

   تعتبر هذه التقنيّات من سمات رواية الحداثة ورواية تيّار الوعي ورواية ما بعد الحداثة. من الأمثلة على الاسترجاع ما يلي:" حين كانت تنام إلى جواري لطالما نمت نوما هادئا مطمئنّا. أظلّ نائما حتى الثامنة وفي بعض الأحيان حتى التاسعة، تستيقظ سناء في وقت مبكّر، تتقلّب في الفراش بعض الوقت، تتأمّلني وأنا نائم، ثمّ تنسلّ من جواري من دون أي إزعاج" ص 12.

:" أتذكّر سناء وهي تدخل الحمّام وتقف تحت انثيال الماء على جسدها الذي ظلّ بالغ الحيويّة والبهاء" ص 13.

ومن الحوارات الداخليّة (المونولوج) ما يلي:" قلت لنفسي: أحيانا يأتي رهوان في وقت غير ملائم، فيجعلني غاضبا منه ثم لا ألبث أن أسامحه لأنه ينطوي على صدق لا جدال فيه". ص 44.

:" قلت لنفسي وأنا أتأهّب لمغادرة القبر: هذا كثير، وأنا متأكّد من أنّ سناء لن توافق على أن أتكبّد كلّ هذا الجهد لسنة أو سنتين، أنا أعرفها فهي زاهدة في أمور كثيرة، ولا تطيق أن تحمّلني ما لا أطيق ". 19.

:" قلت لنفسي: هذه الشيخوخة لها طرقها المتعّبة والتباساتها وعليّ أن أتوخّى الحذر". ص 43.

تقنيّة الأحلام

كثيرًا ما يلجأ الروائيّون إلى استخدام الأحلام لتصوير الحياة النفسانيّة لشخصيّاتهم: "فهم حين يجعلون الأبطال الذين أبدعتهم مخيّلتهم يحلمون يتقيّدون بالتجربة اليوميّة التي تدلّ على أنّ تفكير الناس وانفعالاتهم يستمرّان في الأحلام، ولا يكون لهم من هدف غير أن يصوّروا، من خلال أحلام أبطالهم، حالاتهم النفسيّة"(. فرويد، 1987، ص. 7.).

    يُرجع بعضٌ من النقّاد ظهور الحلم في الفنّ القصصيّ وشيوعه إلى حدّ الرمز الفنّيّ إلى عاملين اثنين: الأوّل، تأثُّر الأدباء المعاصرين بالدراسات والإبداعات الأوروبيّة التي تناولت الحلم بِوَصفه ظاهرة فنّيّة، وارتبطت بقصص "تيّار الوعي" التي تهتمّ بعرض الشخصيّة من الداخل أكثر منه من الخارج، إلى جانب اعتمادها على المونولوج الداخليّ المباشر وغير المباشر؛ والعامل الثاني هو التأثّر بالتراث العربيّ الذي ظلّت الأحلام، بفضله، تراثًا حيًّا متّصلًا، ككتاب منتخب الكلام في تفسير الأحلام، لابن سيرين (33-110 هـ./ 653-729 م.)؛ وكتاب تعطير الأنام في تفسير المنام، للنابلسيّ (1050-1143 هـ./ 1641-1731 م.)، ومَن تبعهما من المحدثين كأحمد الصباحي عوض الله (1910-2009 م.) في كتابه تفسير الأحلام.( مبروك، 1989، ص. 255.).

نتيجة لما سبق انعكس الحلم على البناء القصصيّ، وأصبح توظيف الحلم يعبّر عن التجديد في الفنّ القصصيّ والروائيّ، من حيث ارتباطه بتكنيك القصّة الشعوريّة، فأضحت قصص تيّار الوعي نتيجةً فعليّةً لاستخدام الكاتب الحلم في قصصه، والإغراق في الحلم إلى حدّ التداعي. والتداعي" مصطلح أطلقه عالم النفس ويليام جيمس (William James) ليعبّر به عن الانسياب المتواصل للمشاعر داخل الذهن، واعتمده النقّاد من بعده لوصف نمط من السرد الانسيابيّ، حيث يعتمد في ابراز تجربة الفرد في نقل الانفعالات والذكريات والاستيهامات" (زيتوني، 2002، ص. 66).

   في المثال التالي نجد الحلم ممتزجا بالحوار الداخليّ:" لم يأتني نوم إلا بعد منتصف الليل، تقلّبت في الفراش ساعة أو أكثر إلى أن اعتراني النعاس. ثمّ جاءت سناء، من أين جاءت؟ لا أدري. قلت لنفسي: ربما جاءتني من بطن ذلك الكتاب المحفوظ في ركن المنزل مع كتب أخرى، أو ربّما خرجت من قبرها وجاءت. تمدّدت إلى جواري في السرير، بينما جفناها يحاولان التمرّد على النعاس" ص 16.

  وفي مثال آخر نجد الراوي يغرق في الأحلام المشوبة بالخوف:" ثم ابتدأ سيل الأحلام من دون توقّف أو هوادة، وأنا واقع تحت تأثير الخوف الذي امتدّ من ساحة الوعي إلى ساحة اللا وعي" ص 131.

   إضافة إلى ذلك فقد استخدم الكاتب تقنيّة التهجين، والتهجين في الأدب يشير إلى مزج أنواع مختلفة من الأجناس الأدبية أو الأساليب الفنيّة في عمل واحد، ويعرّفه باختين "بأنه مزج لغتين اجتماعيّتين داخل ملفوظ واحد، وهو أيضا التقاء وعيين لغويين مفصولين بحقبة زمنيّة، وبفارق اجتماعيّ أو بهما معا".( باختين،  1987،ص، 14). في منزل الذكريات نجد أنّ الكاتب محمود شقير استحضر شخصيّات من روايات عالميّة ودمجها في سياق روايته مبيّنا الفوارق الاجتماعيّة والثقافيّة بين شخصيّات الرواية وشخصيّة روايته منزل الذكريات، بعد أن أقام بينها حوارات؛ مما خلق ذلك تداخلا بين الواقع والخيال، هذه التقنيّات تميّز رواية ما بعد الحداثة.

اللغة في الرواية:

اللغة هي القالب الذي يصّب فيه الروائيّ أفكاره، ويجسّد رؤيته في صورة مادّيّة محسوسة، وينقل من خلاله رؤيته إلى الناس والأشياء من حوله (تاورتة، 2004، ص. 52). فباللغة تنطلق الشخصيّات، وتتكشّف الأحداث، وتتّضح البيئة، ويتعرّف القارئ إلى طبيعة التجربة التي يعبّر عنها الكاتب (عسيلي، 2012، ص. 287). هكذا فإنّه بواسطة اللغة يتعرّف المتلقّي، مثلًا، إلى أعماق الشخصيّة الروائيّة التي تحمل الأفكار والرؤى التي يهدف الكاتب إلى طرحها، ويتعرّف القارئ، قبل ذلك، إلى الصورة الخارجيّة لهذه الشخصيّة، وإلى مكانتها الاجتماعيّة ومواقفها من الأحداث والناس، وبالتالي إلى مدى إيجابيّة الشخصيّة أو سلبيّتها. كما يتعرّف القارئ، بواسطة اللغة أيضًا، إلى البيئة، وإلى الجوّ العامّ الذي يطرح من خلاله الموضوع في الرواية، أو في أيّ عمل أدبيّ يكتبه كاتب أو قارئ أو متلقٍّ (.تاورتة، 2004، ص. 52).

    اللغة في الرواية هي الركيزة الأولى والأهمّ لبنائها الفنّيّ، فهي تصف الشخصيّة أو تُمكّنها من وصْف شيء ما. واللغة هي التي تحدّد غيرها من عناصر الرواية وتبنيه، كحيّزَيِ الزمان والمكان. واللغة، أيضًا، هي التي تحدّد الحدث وتبنيه.

في منزل الذكريات نجد نوعين من اللغة: اللغة الحوارية ولغة النسيج السرديّ

  1.  لغة النسيج السرديّ: السرد هو الطريقة التي تروى بها أحداث الرواية وترسم بها شخصيّاتها؛ إذ يسعى من خلالها كاتب الرواية إلى إقناعنا، فنّيًّا، بما حدث، أو يزعم أنّه حدث. ولمّا كان السرد هو البنية الأساسيّة في النصّ، فإنّ الروائيّين المحدثين يحرصون كلّ الحرص على لغته، بحيث تكون أنيقة، رقيقة النسج وموحية، تتوفّر فيها المواصفات الفنّيّة المطلوبة كافّةً. ( بعيطيش، 2016.).

من الأمثلة على لغة النسيج السردي الأنيقة الموحية ما يلي:" تأمّلت الجسد الباذخ في الضوء الشاعريّ الشحيح، وطافت بذهني احتمالات الموت ومحاولات البشر قهره من دون طائل، ثمّ طافت بذهني مباهج الحياة المختلفة. قلت إنّ جسد سميرة السابح في النوم الآن لا يعي أنّه على مقربة منه، يقبع جسد العجوز محمّد الأصغر الذي سيخلّد جسدها المستغرق في النوم في رواية، وإن تعذّر ذلك، ففي قصّة، وإن تعذّر ذلك، ففي قصّة قصيرة جدّا، وإن تعذّر ذلك، ففي جملة واحدة مفيدة، وذلك لكي أنتصر للحياة وللحبّ وللتفاؤل المنشود برغم الهزائم والإحباطات". (ص 38).

  1. اللغة الحواريّة: الحوار هو بنية أساسيّة أخرى في البناء الروائيّ، وهو نوع من أنواع التعبير، تتحدّث من خلاله شخصيّتان، أو أكثر، حول قضيّة معيّنة. من أهمّ خصائص الحوار، بشكل عامّ، والحوار الروائيّ، بشكل خاصّ؛ الكشف عن أعماق الشخصيّات، سواء أرِوائيّة كانت هذه الشخصيّات أم مسرحيّة. فمن خلال تحاورها ثنائيًّا (شخصيّتان تتحاوران)، أو فرديًّا (من خلال الحوار الداخليّ للشخصيّة الواحدة)، تتّضح ملامح كلّ شخصيّة، ويتعرّف المتلقّي إلى طبيعة الشخصيّات في الأعمال الفنّيّة. وقد سقت خلال كتابتي عن تقنيّة الحوار الداخلي(المونولوج)عدّة أمثلة، وسآتي بمثال آخر عن الحوار الداخلي وما يكشفه من لواعج الشخصية وهمومها:" قلت لنفسي: أسمهان امرأة عركتها الحياة وأنضجتها على نحو لافت للانتباه، ثم صرفت نظري عنها وعن كلامها، وانصرفت إلى قراءة كتاب كاواباتا "منزل الجميلات النائمات" وكتاب ماركيز" ذكريات عن عاهراتي الحزينات". ص 34.

ومن الأمثلة على الحوار الخارجيّ:" قالت أسمهان: جئت لكي آخذ ملابس المرحومة للتبرّع بها صدقة عن روحها لمن تحتاج إليها من النساء. قلت: تفضّلي. قالت: أظنّ أنك شبعت من تشمّم ملابسها وهالحين حلّ وقت النسيان".

قلت: "سناء لا يمكن نسيانها يا أسمهان". ص 22.

    لقد امتزجت لغة النسيج السردي واللغة الحوارية بالتناص المستمدّ من التراث الأدبيّ، مثل كتاب" أخبار النساء" لابن قيّم الجوزيّة، إضافة إلى الأشعار والحكم والأقوال المأثورة، كقول أبي ذرّ الغفاريّ:" عجبت لمن لا يجد القوت في بيته كيف لا يخرج على الناس شاهرا سيفه". ص 86. وقول الإمام عليّ بن أبي طالب:" الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا". ص 86.

 ومن الأشعار التي جاء بها الكاتب على لسان الراوي، الأبيات التالية من كتاب" أخبار النساء" لابن قيّم الجوزيّة:"

سلني عن الحبّ يا من ليس يعلمه          عندي من الحبّ إن ساءلتني خبرُ

إنّي امرؤٌ بالهوى ما زلتُ مشتهرٌ             لاقيت فيه الذي لم يلقهُ بشرُ

الحُبُّ أوّلُهُ عذبٌ مذاقتهُ                    لكنَّ آخرهُ التنغيصُ والكدرُ" (ص 71).

ومن الطرائف التي جاء بها الكاتب محمود شقير من كتاب" النساء" لابن قتيبة ما يلي:" قال اسحق: رأيت رجلا بطريق مكة، تعادله في المحمل جارية قد شدّ عينيها والغطا مكشوف، ووجهها بادٍ، فقلت له في ذلك، فقال: إنّما أخاف عليها من عينيها لا من عيون الناس". ص 134.



الرمزية في الرواية:

ترمز الفتاة سميرة إلى الشباب والأمل، كما ترمز إلى الطهر والبراءة، وترمز أسمهان، إلى المرأة المقهورة الخاضعة لسطوة أخيها وسيطرته وتحكّمه بمصيرها وبحياتها.

   أمّا جميحان فيمثّل الاحتلال الجشع الطمّاع الذي يستولي على بيوت وأراضي الفلسطينيّين ويتدخّل في الشؤون الخاصّة للمواطنين، ويعرف كلّ كبيرة وصغيرة عن المواطنين حتّى عن أحلامهم.:" بأيّ حقّ يُحاسب المرء على أحلامه مهما اشتطّت هذه الأحلام؟ ص 119

      وفيما كنت أحدجه بنظرة مزدرية، تشكّلت في داخلي جملة حاسمة" لن يستمرّ استبدادك بي وبغيري يا جميحان" تهيّأت للتلفّظ بها لكنّها لم تخرج من بين شفتيّ، جبنت ولم أجرؤ على قولها. سلّمته مفتاح البيت وأنا أشعر بأنّني أسلّم تاريخي وتاريخ سناء، وذكرياتنا التي كانت لنا في هذا البيت". ص 172 

     بطل الرواية محمّد الأصغر، يمثل الشيخوخة والعجز والوحدة والضعف والاغتراب. وقد بدا الاغتراب الاجتماعيّ جليّا في الرواية،"يتمثّل الاغتراب الاجتماعيّ في شعور الفرد بعدم التفاعل بين ذاته وذوات الآخرين؛ أي ضعف الروابط مع الآخرين وقلّة أو ضعف الإحساس بالمودّة والألفة الاجتماعيّة معهم. ذلك ينتج عن الرفض الاجتماعيّ الذي يعيش الإنسان في ظلّه في افتقاد دائم للدّفء العاطفيّ..  ويشمل الاغتراب الاجتماعيّ كلّ من كان غير قادر على العيش في المجتمع، أو لا حاجة به إلى ذلك". (النوري، 1979، ص. 33.) نجد الاغتراب الاجتماعيّ في الاقتباس التالي على لسان محمد الأصغر:" نحن هنا مقيّدون بظروف قاهرة تحجب عنا كلّ لذّة، وتسعى إلى حرماننا حتى من العيش الكريم في وطننا، ونعاني في الوقت ذاته من عصابات الإجرام التي يمثّلها خير تمثيل جميحان، حيث لا أمان ولا اطمئنان، وحيث ثمّة اختلال في موازين المجتمع؛ القويّ هنا يفترس الضعيف كما هي الحال في الغابة، فهل يجوز هذا؟ وهل تستقيم الحياة في ظلّ أوضاع كهذه؟ ص 154.

كما نلمس الاغتراب الاجتماعيّ في الاقتباس التالي:" أقف في شرفة البيت. أتفقّد الكنبة التي اعتادت أن تجلس عليها سناء. الكنبة الآن لا تشكو من فراغ، فأشعر بألم الفراق. أنظر نحو الخارج، تنام بيوت الحيّ في هدوء حذر، ساكنوها منغلقون على أنفسهم، مشغولون بأحوالهم، ولا أحد يشعر بي، أو هذا ما أتوقّعه، فأزداد حرقة وألما". ص 13.

    في الاقتباسين التاليين نستشعر حدّة اغتراب محمد وفقدانه للدفء العاطفيّ:" أنهض في الصباح المبكّر. أتفقّد السرير ولا أجد سناء في الفراش. حين كانت تنام إلى جواري لطالما نمت نوما هادئا مطمئنًّا". ص 12.

     :"أشعر بوحشة ضارية تلفّ غرفة نومنا والبيت ومحيط البيت والحيّ، وأينما نظرت تكبر الوحشة ويُعلن الموت هيمنته على الأمكنة المحيطة بي، ويعذّبني وجه سناء الشاحب وعيناها المغمضتان على فراغ" ص 10. 

    أما العنوان " منزل الذكريات" فيرمز إلى الحنين والحبّ والشباب والأمل، وقد يكون في هذا العنوان إشارة إلى الوطن الكبير الذي افتقده أصحابه بعد طردهم منه، فلم يبق لهم منه سوى الذكريات.

إجمال:

منزل الذكريات رواية شائقة مثيرة، من روايات تيار الوعي ورواية ما بعد الحداثة، وذلك يعود إلى استخدام الكاتب تقنيّة التهجين، التداخل بين الواقعيّ والخياليّ، التفكيك الزمنيّ، والارتكاز على الأحلام كتقنيّة مركزية في هذه الرواية، حيث بدت الأحلام مطعّمة بالحوارات الداخليّة.

          كتبت الرواية بلغة جميلة تميّزت بلغة النسيج السرديّ، واللغة الحواريّة، مكتنزة بالتناصّ المستمدّة من التراث الأدبيّ، أمّا أسلوب السرد فجاء ذاتيّا؛ ليكشف عن مكنونات النفس واختلاجاتها، ومعاناة كبار السنّ  في مرحلة الشيخوخة  بكل ما يعتريها من عجز وضعف واستسلام. 

       يستحضر الكاتب  محمود شقير في روايته بطليّ روايتي  منزل الجميلات النائمات وذكريات عن عاهراتي الحزينات، فيرافقانه في أحلامه وتأمّلاته، فيتبدّى لنا من خلال الحوارات الداخليّة والخارجيّة، صراع الإنسان مع الزمن، ومحاولاته للهرب من الشيخوخة والعجز والاستمتاع بملذّات الحياة ولو بالنزر اليسير، لكنّ الواقع أقوى من الأمنيات، فالضعف والإحباط يسيطران على بطل رواية منزل الذكريات،  فلا يبقى له سوى ذكرياته في منزل كان يوما له ولزوجته، لكنّه تنازل عنه مرغما ، أمّا الذكريات  والأحلام فباقية ولا يمكن لأحد سلبها من صاحبها،  مهما كانت سطوته وجبروته، فهي الغذاء لروحه وأمله في حياة كريمة مبرّأة من القيود.


المراجع:

باختين، ميخائيل(1986)، الخطاب الروائيّ، ترجمة محمد برادة، القاهرة: دار الفكر للدراسات والنشر والتوزيع، ط1.

بعيطيش، يحيى (2016)، "الخصائص اللغويّة في الرواية الحديثة: لغة عبد الحميد بن هدوقة نموذجًا"، جامعة قسنطينة، موقع إلكترونيّ.

تاورتة، محمّد العيد (2004)، "تقنيّات اللغة في مجال الرواية الأدبيّة"، مجلّة العلوم الإنسانيّة، الجزائر: جامعة منتوري، ع. 21، حزيران.


زيتوني، لطيف (2002)، معجم مصطلحات نقد الرواية، بيروت: دار النهار للنشر.

شبيب، سحر (2013)، "البنية السرديّة والخطاب السرديّ في الرواية"، مجلّة دراسات في اللغة العربيّة وآدابها، ع. 14.

عسيلي، ثريا (2012)، أدب عبد الرحمن الشرقاوي، القاهرة: الهيئة المصريّة العامّة للكتاب.

فرويد، سيجموند (1987)، محاضرات تمهيدية في التحليل النفسيّ، ترجمة: أحمد عزّت راجح، مراجعة: محمّد فتحي، د. م.: مكتبة الأنجلو المصرية، ط. 3.

النوري، قيس (1979)، "الاغتراب: اصطلاحًا ومفهومًا وواقعًا"، مجلّة عالم الفكر، الكويت: د. ن.، مج. 10، ع. 1.


 
 
 

Comments


bottom of page