اللغة الشاعرية ولغة المناجاة في كتاب: همسات على عتبات الذاكرة للكاتب سعيد ياسينإصدار دار الحديث للطباعة والنشر بإدارة فهيم أبو ركن، 2023، تصميم ملكة زاهر
- rozshaban
- 3 hours ago
- 4 min read

همسات على عتبات الذاكرة، نصوص نثريّة قصيرة، بلغت مائتين وسبعةً وخمسين نصًّا . خاطب فيها الكاتب معشوقته الأرض، بكل قراها وبلداتها المهجّرة، بلغة شاعريّة رقيقة امتزجت فيها لغة المناجاة.
اللغة الشاعريّة: تُعرّف اللغة الشعرية على أنّها اللغة الأدبية التي يستخدمها الأديب في نصه النثري، بحيث يتكئ على لغة الشعر لكتابة نصه النثري، فيضفي عليه بعدًا جماليّا إضافيًّا، وهذا يؤدي إلى كثرة الانزياحات اللغوية في النص النثري، ويجعل الجمل مفتوحة الدلالة، فيكسر الأديب حواجز اللغة بالمزج بين الشعري والسردي معًا في نصه، ويكثر من الإيحاء والتصوير.( حكمت النوايسة (2013)، جدل المبنى والمعنى في العمل الروائي (الطبعة الأولى)، الأردن: وزارة الثقافة، صفحة 221،223 ).
ويعرّف البغدادي اللغة الشاعريّة، بأنها اللغة التي فيها يُحَيَّد الحدث والشخصيّة والزمان والمكان وتُهمَّش جميعها، ليُفسَح المجال الواسع للشعريّة وحدها، في نصّ نثريّ طويل، مؤلّف من جمل قصيرة مكثَّفة، توحي، للوهلة الأولى، بأنّها لا تريد أن تقول شيئًا ولا أن تروي أيّ حكاية، لكنّها تسعى إلى العبث بمخيّلة القارئ وصبره، غير أنّ هذا العبث هو نفسه ما يضمن استمرار القارئ حتّى النهاية، ليكتشف، أخيرًا، مجاهل لم يكن يعرفها، وليتذوّق جماليّات لم يكن يألفها.( بغدادي،20121 ).
ظهرت في نصوص همسات على عتبات الذاكرة، الكثير من اللغة الشاعرية، الانزياحات، الايحاءات، التصوير والتشبيه والمجاز كما في الأمثلة التالية:
:" شكرا لمرايا المراكب.. إحداها أسقطت ورقة التوت وكشفت لي الحقيقة سهاما في خاصرة أحلامي، حبنا الأبدي كذبتنا الأبدية
غاليتي: ليتنا ما ركبنا المراكب وليتنا ما غرسنا في أحلامنا حلمنا بأبدية اللقاء . أنا أحب عين غزال وأخواتها". ص 32.
في هذه النثرية الجميلة نجد الانزياحات اللغوية والتشبيهات، فورقة التوت كناية عن كشف الحقيقة والمراكب هي إخراج الفلسطينيين من وطنهم بحجة حمايتهم وبأن جيش الانقاذ سيعيدهم بعد انتهاء الحرب، لكن الكذبة انكشفت بعد خروج الفلسطينيين.
وفي النثرية التالية نجد سردية حكائية مفعمة بالشاعرية:" هكذا ماتت حبيبتي.. في ليلة عيدها كًنّا على شاطئ البحر نسامر سربا من الطيور المهاجرة ومعا كنا نرسم على رماله المبعثرة- كأحلامنا- ملامح فرحنا المؤجّل.. وعلى حين غرّة باغتتنا أمواجٌ عاتية.. أسكنتها أعماقَ البحر.. وأبقتني وحيدا يقتلني الشوقُ لأعماق البحر..
غاليتي سامحيني وأنا أضفي على ألمك ألما.. إني أحبك الآن وإلى الأبد..
أنا أحبّ الشونة وخواتها". ص.55
في هذه السردية الحكائية تتوفر عناصر الحكاية: المكان الزمان، المشكلة والخاتمة. هذه السرديّة صيغت بلغة شاعرية مفعمة بالإيحاءات والرمز. فالمحبوبة الأرض باغتتها الأمواج وهي كناية عن الاحتلال، فأغرقتها وأزالت وجودها، وأسكنتها أعماق البحر، وقد يكون الرمز هنا في استخدام كلمة البحر، الى القلوب، ففلسطين احتلت لكنها بقيت في أعماق قلوب أهلها، وسيبقون على حبهم لها للأبد.
مقطوعة أخرى حافلة باللغة الشعرية:" كل الصباحات ناعسة كعيون الفراشات وصباحي حقيبة سفر عائد أنا الى منفاي وطني كان أغنية وطني صار أغنية بُحَّ صدى النايات فيها وتاهت حروف الكلمات..
سلاما حنيني إلى حنيني قتلني هذا العشق والمنافي وطن المقهورين! أنا أحب القسطل وأخواتها". ص 118).
تشبيه جميل في قوله: كل الصباحات ناعسة كعيون الفراشات، وفي هذا إشارة إلى الجمال والعذوبة، أما جملته صباحي حقيبة سفر، تذكرنا بجملة درويش وطني ليس حقيبة وأنا لست مسافرا. وفي جملته وطني صار أغنية بح صدى النايات فيها وتاهت حروف الكلمات كناية عن حالة الضياع التي يحياها الوطن فلا مغيث ولا من يسمع أصوات استغاثته. أما جملته قتلني هذا العشق فهو كناية عن الحب الشديد للوطن.
نثرية أخرى:" هذا الخريف تساقطت فيه حروف قصيدتي، كأن شيئا لم يكن، غرقت في صمتها حقول الياسمين.. جفّت في مآقيها دموع الأمنيات.. وعانقت موتها زقزقات العصافير.. حين غاب عن صباحها جمال الصباحات.. غاليتي: إني لأكره الخريف مرة وأكره ألف مرة ذكرى ربيع خان جمال الربيع فيه. أنا أحب عمقومة وأخواتها.". ص 14.
في هذه النثرية الرمزية نجد الاستعارات والمجاز والايحاءات. فالكاتب يكره الخريف الذي تغيب فيه جمال الصباحات وتتساقط حروف قصيدته، لكنه يكره الربيع ألف مرّة ففي الربيع كان سقوط فلسطين، وفي الربيع خان العرب فلسطين، وكأن الربيع خان جمال الربيع فيه، فالأمة العربية لم تقدّر جمال وأهمية فلسطين فخانتها وخسرتها.
. لغة المناجاة: وهي خطاب متضمّن داخل خطاب آخر يتّسم بالسرديّة، الأوّل جوّانيّ؛ والآخر برّانيّ، ويندمج الخطابان معًا اندماجًا تامًّا لإضافة بُعدٍ نفسانيّ إلى السرد.( مرتاض، 1998، ص 211).
وتعرف د. سحر عيسى المناجاة بقولها: المناجاة هى لونٌ من ألوان الخطاب الهامس، الخافت بين اثنين أو أكثر، وتشمل مناجاة الخالق عز وجل ورسوله المصطفى - صلى الله عليه وسلم - ومناجاة الطبيعة ومناجاة الشخوص، ومناجاة الزمان والمكان والمناجاة الذاتية وغير ذلك.(مقال نشر في صحيفة الأهرام) 11 أغسطس 2019 السنة 144 العدد 48460
حول هذا الفن وأغراضه يقول د. صابر عبد الدايم، العميد الأسبق لكلية اللغة العربية بالزقازيق: إن المناجاة فنٌ تتسع دلالاته، وتتنوع أبعاده فتشمل المناجاة الدينية، وهى بعدٌ فياضٌ بالدلالات والرؤى، ومناجاة الطبيعة الحية، والطبيعة الصامتة، ومناجاة الزمان، ومناجاة المكان، وعناصر الوجود المؤثرة فى النفس الإنسانية، والمناجاة الذاتية، والمناجاة الحوارية، والتلقينية، ومناجاة الشخوص، وكلها يتضمنها خيطٌ شعورى متآلف النسيج والرؤى، وهو تجسيدُ القيم الروحية، والعاطفة الإنسانية والدينية.(صحيفة الاهرام).
من الأمثلة على لغة المناجاة التي ظهرت في النثريات:" انتظرني أيها الحلم.. تستوقفني في طريقي إليك من كانت في البداية أم البدايات
تقول: خذني ناسكةً أغنّي حكايتنا ترانيم صلاة أمام عرش الله. أقول: سبحانك ربي.. يتجلّى عرشك نورا حيث تصلّي لسرمدية لقائنا أمُّ البدايات
انتظرني أيها الحلم.. أنا وغاليتي في طريقنا إليك
أنا أحبّ السموعي وأخواتها". ص 15.( هذه المقطوعة النثرية تتكرر ص 108.)
في هذه النثرية الجميلة نجد عدّة أنواع من المناجاة:
1. المناجاة الدينية بين الكاتب والله. 1. المناجاة الحوارية: تقول: خذني ناسكة.. أقول: انتظرني أيها الحلم. في هذه المناجاة نجد اللغة الشاعرية التي تحوي التناص والرمزية ، فأم البدايات التي وردت في قصيدة درويش" " هي فلسطين،
مثال آخر:" يقول في سره: أشاكس حياءها بشيء من غضب مفتعل وأمضي بها ومعها إلى حيث نريد..
تقول في علنها: لأنك حبيبي الدرع والسيف أنا لا أخشى معك ضباب الطريق
غاليتي: واعدنا اللهُ الفرحَ فتعالي نقرأ في محراب عشقنا آيات شكرنا لله
أنا أحب السجرة وأخواتها". ص 20.
في هذه النثرية نجد المناجاة الذاتية: يقول في سرّه، ونجد المناجاة الحوارية: تقول لأنك حبيبي. غاليتي واعدنا الله..
في النثرية التالية( هو الطوفان" نجد لغة المناجاة ولغة شاعرية جميلة
:" في غيابكِ باتت مداخل مدينتنا مشرّعة للريح والغرباء يعبثون في البيت ويقتلون في نوافذ الفرح شموعَ ضوء وعبقَ الورد. غاليتي.. لا تخلعي عن وجهك خمارا نسجتُه من خيوط الشوق لعينيك وتدثّري بأصالتك فما زال في العمر متسع للحلم وانتظار اللقاء. أنا أحب المالحة وأخواتها. ص 158
في هذه المقطوعة يناجي الكاتب معشوقته ويبث في روحها الأمل للقاء قادم منتظر.
هذه المحبوبة قد غمرها الطوفان، وهو طوفان الاحتلال فالتعبير هنا مجازيّ، ودخلها الغرباء المحتلون فعبثوا في البيت وقتلوا نوافذ الفرح، استعار الكاتب كلمة الغرباء كناية عن المحتل، أما الخمار فليس المقصود به قناعا أو غطاء للرأس والوجه، وإنما هو غطاء من حب وشوق، أما الدثار فهو ما يغطى به الجسد لكن المعنى المجازي المراد به هو دثار الأصالة والتراث وهو يطلب من محبوبته أن تتدثّر دوما بأصالتها وعراقتها وتاريخها وتراثها، فهناك متسع للحلم وانتظار اللقاء وهو حلم العودة.



Comments