top of page

قراءتي لكتاب الزقوقيا للكاتبة خالدية أبو جبل

rozshaban
Aug 16
3 min read

الزقوقيا نصوص نثرية للكاتبة خالدية أبو جبل من قرية طرعان الجليليّة.

إصدار دار سهيل عيساوي للنشر. يقع الكتاب في122 صفحة.

تتناول الكاتبة خالدية في نصوصها مواضيع متنوعّة: وجدانية، إنسانية، وطنيّة، سياسيّة، اجتماعية وغيرها..بلغة جميلة تكثر فيها التشبيهات والاستعارات والتعابير المجازيّة والتناصّ المستمدّ من الأغاني التراثية والمواويل والأمثال الشعبيّة. كما استخدمت الكاتبة تقنيّة الاسترجاع ، أي الرجوع بالذاكرة إلى الوراء البعيد أو القريب.

وقد ارتأيت أن أختار من بين نصوصها، النصوص التاليةالتي وجدت مظاهر الاغتراب جليّةً فيها: بين دمعة وابتسامة ص 14، وادي الذكريات ص 25، سنرجع يوما ص 59، الأرض ص63 صدى تشرين ص.80

تعريف الاغتراب

يرى البروفيسور قيس النوري، أن مصطلح الاغتراب يأتي في سياق العزلة، وهو أكثر ما يستخدم في وصف وتحليل  دور المثقّف أو المفكّر الذي يغلب عليه الشعور بالانفصال وعدم الاندماج النفساني والفكريّ مع المقاييس الشعبيّة في المجتمع. (النوري، 1979)، ص17.

أمّا الشقيرات ( 1987) فيشير إلى أنّ مفهوم الاغتراب حديثًا يحتوي على عدّة مضامين، وقد اخترنا منها ما يتلاءم مع النصوص التي تداولناها في هذا المقال، ولعلّ اهمها الاغتراب الذاتي الذي يُعتبر أكثر أنواع الاغتراب شيوعًا في عصرنا الحديث، حيث يشعر الفرد بانفصاله عن ذاته. فالمدنيّة بكل ما يرافقها من تكنولوجيا حديثة ساهمت في عزلة الانسان وعمّقت شعوره بالوحدة والاغتراب .الشقيرات(1987)،ص 13-14

ولعلّ أهم المظاهر التي تصاحب الاغتراب الذاتيّ، شعور الانسان بالقلق، الاضطراب، التوتر، الضياع، والاكتئاب. لذلك يلجأ الانسان الى الماضي الجميل، إلى الطفولة، إلى حضن الأم الذي يشعره بالراحة والأمان.

 

 في نص بين دمعة وابتسامة ص 14. تصف الكاتبة حالة الضياع التي يعيشها انسان هذا العصر، الذي لم يعد يجد لذةً لعطر أو طعام:" أين تبخّر ذلك العطر الذي كان يضوع من ثيابنا؟ ولا نجده اليوم مع كثرة العطور؟ لماذا ننتقل من فُرن لآخر نبحث عن الطعم الجيّد للخبز، ولا نحد الطعم الذي نشتهيه؟

أين ضاعت تلك الجديلة النديّة المنسابة على ظهر الفتيات، بين جمال التسريحات وبهاء زينتها؟

تحضرني أمي وهي ترضع صغيرتها، وتغذّيها من روحها، وتبعث فيها السكينة…". ص 14

إنّ أحد أهم الوسائل لهروب الانسان من مشاعر الإحباط، الخوف، القلق وما شابه ذلك، هو الرجوع إلى البيت الأموميّ، لذا تسترجع الكاتبة ذكرياتها مع والدتها فتتذكّر حنان والدتها وهي تهلّل لصغيرها" نامت عين حبيبة قلبي يما وعين الله ما نامت". وتارةً أخرى تصف والدتها وهي تسرّح شعر بناتها فتقول:"وإحنا اللي فرحنا واحنا تهنينا والدنيا صارت حلوة بعينينا". 

وفي نص ״حكاية فلسطينية״ ص 20

تصور الكاتبة لحظات المتعة والسعادة مع والدتها وأسرتها :" ترتّب أمي خيوط المساء ستارًا، وتشعل قلبها دفئًا، توقد بريق عينيها سراجًا، .. تردّد أمي كلّ صباح ومساء إنّ مع العسر يسرا، فتنفرج أسارير الصبح ويغفو على طمأنينة المساء" ص21.

فالأم وفق باشلار،  العشّ الأليف، بيت الطفولة، مركز الأحلام الأوّليّ، جدران الحماية والدخول الأوّل إلى العالم

فلا غرو إذن أن تستذكرها الكاتبة، وتعبّر من خلالها عن مدى غربتها، وشوقها وحنينها لذلك الزمن الجميل.

ففي نص " وادي الذكريات" تسترجع الكاتبة ذكرياتها مع والدتها وأسرتها حين كانت طفلة فتقول:" تشدّ أمي عزيمتها عند طلوع الفجر، تجهّز زوادتنا من خبز الطابون واللبنة والزعتر، … وقبل أن تفيق الطبيعة مع بزوغ الفجر، نكون قد جهّزنا للرحلة التي بتنا نحلم فيها"ص25. وفي نفس النص تصف لحظات الفرح في الرحلة العائلية في أحضان الطبيعة:" لمعت أعيننا فرحًا، تخاطبنا بالنظرات، وما هي الا لحظات حتى تماهينا مع هذا الجو الخياليّ الأخاذ" ص.25

وفي نص "سنرجع يومًا" ص 59، تكتب خالدية عن وجع شعب شُرّد في الداخل والخارج وعانى من مرارة الاغتراب فتقول:" من منا لم يعش نواح أمّه أو جدّته وهي تبثّ شكواها وغربتها واغتراب أحبّائها للبابور الصاخب، وهو يصرخ نافثًا رائحة الكاز القويّة، كأنها سموم القهر والظلم، يخجل بها أمام نواح أمهاتنا فيرقّ لشكواهنّ" ص59.

وفي نص " الأرض" ص 63 تثير الكاتبة عدّة أسئلة تعتمل في فكرها وتبعث فيها قلقًا وحيرةً: إلى متى سيظل الاغتراب في أرضنا يأكل نفوسنا أكثر من الشتات؟

إلى متى سيظل الألم والدمع لحن موّالنا؟

إلى متى سنظلّ نحمل مفتاحًا ضيّعنا عنوانه؟

إلى متى سنظلّ نحلم بأرضٍ ضيعنا إنسانها ثمنًا لجشع إنسانها؟ص.64

وفي نص " صدى تشرين" ص80 تعبّر الكاتبة عن حدّة شعورها بالاغتراب فتقول:" وحدها تكبر الآه، تلامس جدران عزلتي، ووحشة غربتي"ص.80

لا عجب إذن أن نجد في نصوص الكاتبة خالدية مظاهر الاغتراب وهي الانسانة المثقفة التي يقلقها هذا الوجود بكلّ ما يحمل من آلام وضياع.

فيترك الانسان حائرًا مضطربًا تائها يبحث عن إجابات لأسئلة كثيرة تعتمل في رأسه فتسبب له قلقًا واضطرابًا.

مبارك لك صديقتي خالدية إصدارك " الجميل الزقوقيا" هذه الزهرة التي بدورها تبدّد وحشة الاغتراب وتبعث في النفس السكينة والأمان.

شكرًا من القلب على إهدائك الجميل!

 

روز اليوسف شعبان

24/10/21

 

المراجع

باشلار، غاستون (1996)، جماليّات المكان، ترجمة: غالب هلسا، بيروت: المؤسّسة الجامعيّة للدراسات والنشر، ط. 4.

 

الشقيرات، الشقيرات، أحمد (1987)، الاغتراب في شعر بدر شاكر السيّاب، عمّان: دار عمّار. 

 

النوري، قيس (1979)، "الاغتراب: اصطلاحا ومفهومًا وواقعًا"، مجلة عالم الفكر، الكويت: د.ن، مجلّد، 10، عدد 1.

 
 
 

Recent Posts

See All

Comments


للحصول على الأصدارات، لترتيب ندوات وورشات، تواصلوا عبر النموذج المرفق:

 

© 2026 By Roz Elyousef Powered and secured by Wix 

 

bottom of page