top of page

غزالة تنتظر عودة الأحباب في المجموعة القصصيّة غزالة تنتظرني للكاتب أسيد عيساوي

  • rozshaban
  • 6 hours ago
  • 6 min read

د. روز اليوسف شعبان

صدرت المجموعة القصصيّة غزالة تنتظرني في مركز الحضارة العربيّة للتنمية الثقافيّة، القاهرة(2024)، تصميم الغلاف والإخراج الفني، أيمن رياض دويدار. يقع الكتاب في 143 صفحة من القطع المتوسط.

غزالة تنتظرني  هو الإصدار الثالث للكاتب، وقد سبقه ديوانيّ شعر،  سيزيف وبحار(2019) وإلى حيث ألقت رحلها(2023).

   تحتوي هذه المجموعة على سبع وعشرين قصّة، زُيّنت برسومات  جميلة ومعبّرة للعديد من الفنّانين:  رائد القطناني، سليمان منصور، عماد أبو شنب، مأمون الشايب، ميسون، نبيل عناني، وائل بريج.

    تتسم هذه القصص بالرمزيّة، وتتعدّد مواضيعها، منها القصص التي تتحدّث عن الأرض وما تتعرّض له من أذى وتخريب، من قبل الكلاب والخنازير، ظهر ذلك في قصة" ضربني وبكى سبقني واشتكى"(ص 29)، وفي قصة" إلى متى سنبقى ضحايا للخنازير والذئاب؟" ص 123. في قصة "جبت الدبّ على كرمنا"(ص 37)، يحكي الكاتب عن سيطرة الدبّ على الأرض، وكان مالك الأرض يعتقد أنّه أحضر غزالا، فاكتشف أنّه أحضر دبّا. 

     كما تطرّق الكاتب في قصة" نظّف بيتك لا تعرف من يدوسه" (ص41)، إلى قضية الفساد والعمالة والعملاء، و في قصّة" السبع دونكي شوت"(ص 19)، يتحدث الكاتب عن طمع الملوك والحُكّام وغدرهم، وجشعهم، وسيطرتهم على ثروات الشعوب، تكررت فكرة الطمع في قصة" حكاية زيون وملك الملوك"(87)، وقصة " الطمع ضرّ ما نفع"(ص 109)، كما تطرّق إلى موضوع العنف المستشري في مجتمعنا في قصّة " شلّة حرير التفّت على بلانة روح فكّها"(ص 33)، تكرّرت فكرة العنف في قصّة "ليتني لم أحضر العرس"(ص 97)

في قصّة "نبيلة وسليم من أم العيون"(ص 129)، تظهر أهميّة تقصّي الحقائق وعدم الانبهار بظواهر الأشياء، فسليم كان شابا وسيما، خدع نبيلة الفتاة الجميلة التي تمنّاها معظم شباب القرية، لكنها اختارت سليما، بعد أن نجح في خداعها وخداع أهلها، بأنّ إمكانياته الماديّة كبيرة، يمتلك شركة تجارية ناجحة، ليتبيّن بعد الزواج أنه نصّاب.

في قصّة" الدار دار أبونا وأجوا الغرب يطحونا"، يسرد الكاتب قصّة رجل ذهب ليقطف لوالدته أكواز الصبر التي اشتهتها، من قريتها لوبية التي هُجّرت منها، لكن رجلا ادّعى أنه من الصندوق القوميّ اليهوديّ(الكيرن كييمت) طرده قائلا له إن هذه الأرض ملك  (للكيرن كييمت) ولا يحقّ له الاقتراب منها ولا حتى قطف الصبر. 

قصّة "فاطمة اللوبانيّة وسعيد السعسعاني"(ص 81)، تتحدّث عن علاقة حب بين فاطمة ابنة قرية لوبيّة وسعيد القادم من سعسع في ريف دمشق لنصرة أهل فلسطين، بعد نشوب الحرب تمّ تهجير سكّان لوبية، فعاشت فاطمة في إربد، وبقيت تحبّ سعيد وتنتظر عودته دون أن تعرف شيئا عن مصيره، فالبعض أخبرها أنه استشهد في الحرب، والبعض أخبرها أنه أُسر بيد الجنود الإسرائيليّين. وفي قصّة "الضبع إنسان"، يرمز الكاتب إلى أنّ الكثير من الناس، يتصرفون كالضباع، يحاولون افتراس الآخرين وضبعهم. في قصّة " لا يستطيع أحد ركوب ظهرك إلا إذا كنت محنيّا"، دعوة واضحة إلى الاعتزاز بالنفس وعدم الخنوع للآخرين. كما تظهر حالة التمزّق التي تسود العالم العربي وعدم نجاحهم في الاتّحاد من أجل الدفاع عن ممتلكاتهم التي تنهب أمام أعينهم دون أن ينجحوا في الدفاع عنها:" وانفضّ الجمع على أن يعودوا ليتّفقوا على توحيد الصفوف"(ص 95).

    تتحدّث قصّة "ذات ليلة" عن نجاح الفأر في قضم أسلاك قفص الحديد، ونجاحه في الخروج منه واحتلال البيت مع مجموعة كبيرة من الفئران والتهام ما به من خيرات، في حين كان صاحب البيت في سبات عميق. فهل يرمز الكاتب إلى السبات الذي ألمّ بالأمّة العربيّة، حتى أن الفئران نجحت في التهام خيراتها؟

في قصة " كلمة يقولها المسؤول بإذن المأمور أو الناطور، بروح نصف المحصول"، تتحدّث عن تملّق المزارعين للمختار، والاهتمام بنيل رضاه، وذلك كي يوصي الناطور بحماية زرعهم.

قصّة حرب الخيّالة مع الحمّارة، مستمدّة من تاريخ العرب في العصر الجاهليّ، فهي تذكرنا بالمعارك والحروب  التي كانت تدور بين القبائل العربيّة، أحيانا بسبب سرقة ناقة أو غنمة، وما إلى ذلك، يشير الكاتب في هذه القصّة، إلى عدم التكافؤ في القتال بين قبيلة الحمّارة الّتي كانت تقاتل على الحمير، وقبيلة الخيّالة التي كانت تقاتل على الخيول، بل وأحضرت معها الفيلة لقتال بني حمّارة.

ترمز هذه القصّة إلى عدم التكافؤ في القتال، بين الدول في عصرنا الحديث، مما يعتبر ذلك خرقا لقوانين الحرب المتعارف عليها دوليا:" وصل خبر هذه الحرب إلى شيخ  عشائر الحمر، أكبر عشائر المناطق، الذين انزعجوا من تصرّف عشيرة بني خيل، وذلك لمخالفتهم قوانين الحروب بين القبائل، إذ لا يجوز أن تهجم بالفرسان والفيلة على قبيلة لا تملك إلا الحمير للدفاع عن نفسها".(ص 117). كما يشير الكاتب إلى عدم الائتمان لعشيرة بني خيل: "بالنهاية توقفت تلك الحرب، لكن من غير المعروف متى ستتجدّد، بنو خيل لا يؤتمنون، هكذا هي سمعتهم بين القبائل"(ص 117). 

أمّا القصّة الأولى في هذه المجموعة، فهي قصّة  "غزالة تنتظرني، وهي القصّة التي تحمل هذه المجموعة القصصية اسمها. يلتقي السارد بغزالة جميلة،  تنظر إليه وكأنّها تحدّثه، فهي لا تهرب منه، ولا تخشاه، بل تقول له حين سألها عن سبب عدم هروبها:" شيء ما بداخلي دفعني ألا أهرب وقال لي: لا تهربي، لربما هو من الذين تسألين عنهم وقد يأتيك بالأخبار عن الأحباب"(ص 9).

يتّضح من هذا الحوار الذي دار بين الراوي والغزالة، وبين الغزالة ونفسها(حوار داخلي)، أنّها فقدت أهلها، وهي تبحث عنهم. فهل قصد الشاعر بالغزالة الوطن  الجميل الذي ينتظر عودة أحبابه؟

الموتيفات والرموز في المجموعة القصصيّة:


استخدم الكاتب موتيف الكلاب ،الخنازير، الفئران، الضبع والدبّ ليرمز إلى قوى الشرّ التي قد تهاجم الإنسان وتنهب ممتلكاته، وتعيث فيها فسادا.

يرمز السبع، إلى الحُكّام الظالمين الذين يسيطرون على خيرات شعوبهم، أمّا الزيتون فيرمز إلى الثبات والصمود والبقاء في الأرض، وترمز شخصيّة دون كيشوت، إلى المثاليّة الساذجة والسعي وراء تحقيق أوهام مستحيلة، وترمز الغزالة إلى الوطن الذي ينتظر عودة أبنائه.

أسلوب السرد:

جاء السرد في هذه المجموعة برمّته بضمير الأنا، وهو ما يعرف بالسرد الذاتيّ، حيث عبّر السارد من خلال سرده، عمّا يختلج في نفسه من مشاعر واضطرابات، تخلّل هذا السرد في بعض القصص، السرد بضمير الغائب، وحوارات داخليّة وخارجيّة. من الحوارات الداخليّة(المونولوج) التي تميّز أسلوب الحداثة ما يلي:"    حدّثت نفسي وأنا في غاية الدهشة من سلوك هذه الغزالة: أمر هذه الغزالة يحيّرني، لا بُدّ أنّ بها شيئا، فلعلّها جريحة.. لكنّها فيما يبدو لي ليست جريحة"(ص 8). :" قال بكر في نفسه: سيأتي بدر بعد قليل، لعلّني سبقته قليلا"(ص 13). قلت في نفسي: إنّ هذه الكلاب ستمزّقني إن ظفرت بي وهي قريبة جدا من ذلك.. يا ألله ماذا يجب أن أفعل؟"(ص 31).

كما تخلّل السرد استرجاعات للراوي ولبعض الشخصيّات في القصص. من استرجاعات الراوي:" وأنا في هذه الحال تذكرت قصّة أحد المزارعين الذي اصطدم بقطيع كلاب وهاجمته بشراسة..."(ص 31) من استرجاعات فاطمة في قصة فاطمة اللوبانية وسعيد السعسعاني، حين سردت قصّتها للراوي، ما يلي: "قابلته أوّل مرّة حين جاء إلى بيتنا، لأنّ أبي لم يكن في الديوان، كان شابّا وسيما تنجذب له أيّة صبيّة"(ص 83).

إلّا أنّ بعض القصص لم تخل من السرد التقريريّ الإخباريّ كما في قصّة "السبع دونكي"، فالكاتب بدأ سرده بالحديث عن بلده التي عانت من قبل المحتلّين الأجانب، فحكى عن الحاكم الذي لقّبه السبع شوت، ثم توقّف عن سرده قائلا:" أريد أن أرجئ حديثي عن الحاكم "السبع شوت" بعض الوقت ليتسنّى لي أن أعرّفكم على بلدي..."(ص 20). يبدأ الكاتب بالحديث عن بلده وعن تنصيب السلطات للحاكم دونكي شوت"، ثم يعود ويقول:" طبعا وعدتكم أن أحدّثكم وأعرّفكم على بلدنا، بداية أريد أن تعرفوا أن أهل بلدنا يستحقّون حظّا أوفر..."(ص 21). بعد ذلك يعود الكاتب ويكتب:" أعود لأعرّفكم على بلدنا، فبلدنا مكوّن من.....(ص 21-22). هذا الأسلوب التقريري الإخباريّ، يؤثّر على عنصر التشويق في القصّة، ويجعلها تميل أكثر إلى الرتابة والتكرار والتقريريّة.

تكرّر هذا الأسلوب في قصّة" ضربني وبكى سبقني واشتكى"، يبدأ الكاتب حديثه عن أرض الغزلان التي ذهب ليتفقّدها، ثم يصف الأيائل التي كانت تمرّ بين الأشجار، بعد وصف الأيائل يقول الكاتب:" وكما قلت في البداية أنني خرجت لأتفقّد هذا الموقع، فقد رأيت من بعيد قطيعا.."(ص 30)، مثل هذه الجمل تعيق الانسيابيّة في السرد، حبّذا لو لم يستخدمها الكاتب، لبدت القصّة أكثر تشويقا.

اللغة في المجموعة القصصية

جاءت اللغة واقعيّة  سهلة دون استعارات ومحسنات بلاغية، تتماشى مع الأحداث الواقعيّة للقصص، تخلّلتها بعض الأمثال الشعبيّة، كما أن بعض عناوين القصص، كانت أمثالا شعبية مثل: ضربني وبكى سبقني واشتكى، الدار دار أبونا وأجوا الغرب يطحونا، الطمع ضر ما نفع، لكنّ بعض العناوين جات طويلة، حبّذا لو كانت أقصر.

في هذه المجموعة القصصيّة استخدم الكاتب التناصّ المستمدّ من التراث و التاريخ، مثل استخدامه رمزية شخصية دونكي شوت في قصّة" السبع  دونكي شوت"،  ودون كيشوت هو شخصيّة أدبيّة مشهورة من رواية" دون كيشوت"، التي كتبها الكاتب الإسبانيّ ميغيل دي ثيربانتس في القرن السابع عشر، هذه الشخصيّة التي أصبحت رمزا عالميّا للمثاليّة الساذجة، أو الشخص الذي يحارب أعداء وهميّين، أو يسعى لتحقيق أهداف مستحيلة.

 قصّة حكاية زيون وملك الملوك مستوحاة من قصص ألف ليلة وليلة، قصة الطمع ضر ما نفع فيها تناص تاريخي مع قصة الوالي سليمان العادل والي دمشق في فترة أحمد باشا الجزّار،

إجمال:

المجموعة القصصيّة غزالة تنتظرني للكاتب أسيد عيساوي، هي قصص واقعيّة، اجتماعيّة، وسياسيّة، اعتمد فيها الكاتب على استخدام الموتيفات والرموز من أجل التعبير عن آرائه وأفكاره ومواقفه من العديد من القضايا التي عالجها في قصصه، كتبت بأسلوب سردي شائق، ظهرت فيه بعض من سمات الحداثة، كالمونولوج، الاسترجاع، والسرد الذاتيّ، إلّا أن بعض القصص، لم تخل من الأسلوب التقريري الإخباري،   وقد جاءت اللغة واقعيّة سهلة شملت تناصّا من التراث والتاريخ.


.  




 
 
 

Comments


bottom of page