طموح المرأة ونرجسيّة الرجل في رواية " هذا الرجل لا أعرفه"، للروائيّة المقدسيّة ديمة جمعة السمّان
- rozshaban
- 6 hours ago
- 6 min read
د.روز اليوسف شعبان

صدرت رواية " هذا الرجل لا أعرفه" عام 2018، عن مكتبة كلّ شيء حيفا، تنسيق شربل إلياس، وتقع في مائتين وستّ صفحات من القطع المتوسّط.
تعالج الرواية عدّة مواضيع، سياسيّة، وطنيّة، اجتماعية، واقتصاديّة في آن واحد، في عالمنا العربيّ الذي لا زالت تحكمه سلطة العائلة، أو الحزب الحاكم، أو السلطة الذكوريّة بلا منازع. فعائلة سالم التي كانت في السلطة وانتُزعت منها، تقرّر استعادة السلطة بكلّ ثمن. فنجد فارس الذي يعمل ضابطًا في الجيش، يستخدم كلّ الطرق القانونيّة وغير القانونيّة، في سبيل إعادة السلطة لعائلته، فيمهّد لأخيه وحيد كلّ السبل والنجاح في عمله وتحقيق الثروة والجاه، فيصبح من أكبر رجال الاقتصاد في البلاد. ليس هذا فحسب، وإنّما يدبّر فارس اغتيالا لأحمد زوج منى، لأن نفوذه ازداد في البلاد، وأراد أن يشتري حصة أخيه وحيد في المزرعة التي يتشارك فيها مع منى، تلك المزرعة التي تزود الدولة بكل منتوجات الحليب، كما أنه يقتل وزيرة الخارجية ناهد ،وهي زوجة اخيه وحيد؛ لأنها بدأت التحقيق في جريمة اغتيال احمد، وخاف أن تكشف أمره، ثم يُقتل فارس والحاكم، بعد أن سقطت بهما الطائرة التي كانا يحلّقان بها؛ لاستكشاف أحوال البلاد؛ فيتابع الأخ كريم دعم أخيه وحيد؛ ليصل إلى الحكم، ويصبح وحيد حاكم البلاد.
إلى جانب ذلك تطرح الرواية موضوعًا هامًّا يتعلّق بمكانة المرأة في المجتمع العربيّ الذكوريّ. وتكشف الرواية عن الصعوبات التي تواجهها المرأة، خلال تقدّمها في العمل، وعدم تفهّم الزوج لظروف عملها، خاصّةً إذا كانت الزوجة في منصب أرقى وأرفع من منصب زوجها. فبدلًا من أن يقوم بدعمها ومساندتها، نجده يستاء من غيابها عن البيت لظرف عملها، ويطالبها بالتخلّي عن هذا العمل وإن كان منصبًا رفيعًا ( كأن تكون المرأة وزيرة مثلًا). فبالنسبة للرّجل وجود المرأة في البيت واعتنائها ببيتها وزوجها وأولادها هو الأهمّ. فهل لا زال الرجل الشرقيّ يعاني من عقدة تفوّق المرأة وتقدّمها عليه؟ وهل لا زال الرجل ينظر إلى نفسه أنّه الأقوى والأذكى والأجدر بالقيادة وتولّي المناصب الرفيعة؟
في هذه الرواية نجد الروائيّة ديمة السمّان تصوّر هذا الصراع بين رغبة الرجل وحبّه لامتلاك المرأة، وتحدّي المرأة للرجل وخوضها المجالات السياسيّة وتولّيها مناصب رفيعة منها وزارة الخارجيّة. كما تصوّر المرأة بأنّها ذكيّة جدًّا قادرة على القيام بعدّة أمور في آن واحد، فهي سياسيّة قادرة على جذب الناس إليها بفضل ذكائها وحنكتها وقدرتها على الإقناع.
أمّا وحيد فهو يمثّل الرجل الشرقيّ، الذي يتخلّى عن حبيبته منى؛ من أجل تحقيق أحلامه، والسعي لاستعادة مجد عائلته آل سالم. وحين يتزوّج من الإعلاميّة المشهورة ناهد، وتصبح ناهد بعد ذلك وزيرة الخارجيّة، تتعكّر العلاقة الزوجية، ويكثر الشجار بينهما، فيعبّر وحيد عن استيائه:" وهكذا خطف العمل مني ناهد فأصبحت أذهب إلى البيت في الساعة الثالثة كالعادة لأجد عبير زوجة أخي فارس في انتظاري وقد أعدّت لي الطعام"(ص46).
يحاول وحيد أن يقنع زوجته بالعدول عن هذا العمل والعودة إلى البيت فيقول لها:" أصبحت أتوق أن أعيش الحياة كزوج وحبيب. عودي إلى بيتك، دعينا نعيش زوجًا وزوجة وبيتًا سعيدًا. أصبحت أحنّ أن يكون لي طفل"(ص49)." كرهت سلّم المجد الذي ترنو إليه عيناك وقد أغفلت كلّ من حولك، أنا والبيت والحبّ والمستقبل ودزّينة من الأطفال يملؤون المزرعة ويتمتّعون بما خلّفت لهم من أرض وجمعت لهم من مال حتى يواصلوا مسيرة الأجداد. متى تفهمين أنّ قمة مجد المرأة بيتها ورعاية زوجها؟ عودي إلى نفسك يا ناهد".(ص74).
أمّا ناهد فتتوقع من زوجها أن يدعمها بل وتطلب منه ذلك:" يجب أن لا تغير من العمل. وحيد، خذ بيدي شجّعني حتى أصبح زوجة تليق بسيّد اقتصاد البلاد".(ص49).
يتفاقم الخلاف بينهما؛ ليصل إلى الطلّاق، لكن ناهد، ترفض اعلان الطلاق، خوفا على مكانتها السياسيّة والاجتماعيّة، يعيشان معا في بيت واحد، منفصلين عن بعضهما البعض.
تنتهي الرواية بفوز وحيد في رئاسة الدولة، وبقتل أحمد زوج منى وهو في طريقه إلى مكتب وحيد، للتفاوض معه في بيع حصّته من المزرعة لمنى، كما تموت ناهد بالسمّ البطيء، لنكتشف بعد ذلك أن من فعل ذلك هو فارس أخو وحيد، وذلك حمايةً لأخيه ولنفسه ولآل سالم، خاصّةً بعد أن لمع اسم المهندس أحمد وانهالت عليه أوسمة التشجيع من الدولة وأصبح اسمه من أهمّ رجالات الاقتصاد في البلد، وصار ندًّا لوحيد . كلّ ذلك بدون علم وحيد الذي حاول العودة إلى منى طالبًا منها الزواج، لكنّها ترفضه وتتهمه بقتل زوجها أحمد قائلة له:" الرجل الذي كنت أعرفه قد تغيّر وتبدّل، هذا الرجل لا أعرفه لا أعرفه.....(205).
سمات الحداثة
ظهرت سمات الحداثة في رواية هذا الرجل لا أعرفة، من خلال التقنيات السرديّة، الحوار الداخليّ(المونولوج)، الاسترجاع، لغة النسيج الشعريّ، الأحلام والكوابيس.
أما السرد فقد تميّز بالسرد الذاتيّ (بضمير الأنا)، حيث تولّاه وليد حامد، وهو الشخصيّة المركزيّة في الرواية، ساردا لنا عن علاقته بزوجته ناهد، وحبيبته الأولى منى، كاشفا لنا عن لواعج قلبه، وما يعتمل في صدره من حيرة، واضطرابات، وصراع بين العقل والعاطفة، بين الواقع والحلم، بين الإرادة والرغبة.
الحوار الداخليّ(المونولوج)
تزخر الرواية بالحوارات الداخليّة ، خاصّة حوارات وحيد مع نفسه. من هذه الحوارات الداخليّة ما يلي:" قلت أحدّث نفسي: والله ما زال لك تأثير يا وحيد، على الجميلات، فالعمل لم يضعف من مواهبي في استمالة الفتيات، ولم يضعني في قالب الروتين وغلظة رجال الأعمال"(ص 12).
:" شردت بضع لحظات مع نفسي متسائلا: لا أعرف ماذا يريد هؤلاء الضباط مني"(ص 13).
في الحوار التالي لوحيد مع نفسه، نجد لغة النسيج الشعري، كما نجد هروبه إلى أحلام اليقظة: كنت أعطيها أذني، أمّا عقلي وروحي فكانا يهربان بي إلى المغارة، نتسلّق ظهرها أنا ومنى، ننتظر ظهور البدر، خاصّة في ليالي التمام، لحظة إطلالته، يرمينا بشعاعه السحريّ نستحمّ به، فيغسل عنا تعب يومنا، ويلعب بأوتار قلوبنا، يعزف عليها ألحانا تهبط لها النجوم من سمائها، قناديل معلّقة بيد الملائكة، تدندن اللحن معنا، ولما كان يطول شرودي؛ كانت تصرخ ناهد في وجهي؛ فأقفز عن الكنبة فزعا (ص 80).
في الحوار الذاتيّ التالي، نقف على الصراع الداخليّ في نفس وحيد، بين القلب والواجب:" قد لا أعود في فترة ما بعد الظهر؛ حتى لا يسألني ضميري سؤاله المعهود عندما أتخاذل عن العمل أو أشعر بتعب أو ملل(تلهو والعمل في انتظارك: هيا انهض وراع مؤسستك فهي جزء من بناء مجد آل سالم). فيعكّر عليّ صفو جلستي، ويهدم متعتي، وأتوه بين قلبي وواجبي". )(ص 145).
كما نجد في الحوار الداخليّ التالي لوحيد مع نفسه، اضطراباته النفسيّة وحيرته:" هل أنا ضعيف؟ كيف وأساطين الاقتصاد ورجالات الحكم ترهب هيبتي؟ هل أنا قويّ؟ كيف وسيّدة تتحكّم بحريّتي وتبيع فيّ وتشتري؟ كانت هذه الأسئلة كصوت ريح الصحراء تقفز في رأسي عندما تنفرد بي، وأخلو إلى نفسي وتحملني إلى عالم واسع لا مكان لي فيه رغم صغر حجمي"(ص 178-179).
الاسترجاع
في السرد الذاتيّ التالي لوحيد نجده يسترجع الماضي الجميل مع جدّه:" فوجدت أمّي هناك تغلي قهوتها على عيدان من الحطب، فسرّني منظرها، وتخيّلت جدّي يجلس إلى جوارها أسمع صوته(الرأس مال، والعمل بدون فنجان القهوة أصبح محالا. هيّا اشعلي النار يا فاطمة). فتقول:"( أمرك يا عمّي أبا سعد). وتقرّب رأسها من عيدان الحطب وتنفخ عليها حتّى تشتعل نارها، وتبدأ بالغليان، وقد انتشرت رائحتها بالجوّ، يستنشقها جدّي طربا: (الله.. الله..) (ص 95).
يسترجع وحيد علاقته العاطفيّة مع منى ويحدّث نفسه بلغة شاعرية قائلا:" من هنا وعلى ظهر هذه المغارة انطلق الحبّ من قلبينا، أنا ومنى ونحن لا زلنا طالبين، في الجامعة، نتسابق في رحب هذا الفضاء، على التضحية والعطاء، من يسعد الآخر أكثر. من هنا كنّا نأتي في الصباح الباكر، عندما كانت تنام في بيتنا عند أختها عبير؛ لنرصد الشروق، نستحمّ بشعاع التفاؤل، ولا يفوتنا الغروب وإبداعاته، في تلوين السماء بلون الأرجوان، وشهقة الشمس وهي تفقد توازنها، تتدحرج عن قمّة الجبل؛ لتختفي خلفه". (ص 98).
الأحلام والكوابيس
يُرجع بعضٌ من النقّاد ظهور الحلم في الفنّ القصصيّ وشيوعه إلى حدّ الرمز الفنّيّ إلى عاملين اثنين: الأوّل، تأثُّر الأدباء المعاصرين بالدراسات والإبداعات الأوروبيّة التي تناولت الحلم بِوَصفه ظاهرة فنّيّة، وارتبطت بقصص "تيّار الوعي" التي تهتمّ بعرض الشخصيّة من الداخل أكثر منه من الخارج، إلى جانب اعتمادها على المونولوج الداخليّ المباشر وغير المباشر؛ والعامل الثاني هو التأثّر بالتراث العربيّ الذي ظلّت الأحلام، بفضله، تراثًا حيًّا متّصلًا، ككتاب منتخب الكلام في تفسير الأحلام، لابن سيرين (33-110 هـ./ 653-729 م.)؛ وكتاب تعطير الأنام في تفسير المنام، للنابلسيّ (1050-1143 هـ./ 1641-1731 م.)، ومَن تبعهما من المحدثين كأحمد الصباحي عوض الله (1910-2009 م.) في كتابه تفسير الأحلام. (مبروك، 1989، ص، 255).
نتيجة لما سبق انعكس الحلم على البناء القصصيّ، وأصبح توظيف الحلم يعبّر عن التجديد في الفنّ القصصيّ والروائيّ، من حيث ارتباطه بتكنيك القصّة الشعوريّة، فأضحت قصص تيّار الوعي نتيجةً فعليّةً لاستخدام الكاتب الحلم في قصصه، والإغراق في الحلم إلى حدّ التداعي.( مبروك، 1989، ص، 258).
من الكوابيس التي عانى منها وحيد ما يلي:" كنت بين فترة وأخرى، أصحو على ناهد تهزّني: اصح يا وحيد إنّك تتحدّث وأنت نائم، أيّ كابوس هذا الذي تسلّط عليك هذه الليلة". (ص 175).
ومن أحلام اليقظة ما يلي:" كان يركض أمامي شريط طويل لمستقبل سعيد، أقضيه مع منى وقد تاقت نفسي إلى حياة أعيشها كجدّي أبي سعد في ظلّ مزرعة كبيرة، وأولادي وأحفادي من حولي، ننعم جميعا في ظلّ شجرة جمّيزة كبيرة"(ص 160).
الخلاصة:
تسلّط هذه الرواية الضوء، على العراقيل والصعوبات التي تواجه المرأة، وتشكّل عثرة كبيرة في سبيل تقدّمها، وتولّيها مناصب رفيعة في البلاد. فإلى متى ستبقى المرأة تحت رحمة الرّجل؟ أما آن الأوان أن ينظر الرجل الشرقيّ إلى المرأة الزوجة والشريكة في الحياة، نظرة تقدير، وتقديم الدعم والتشجيع لها لتولّي المناصب الرفيعة في البلاد؟ إلى جانب ذلك فإن الرواية تعالج قضيّة وطنيّة تشغل كافّة الشعوب العربية التي تعاني من حكامها وتسلّط أسرة حاكمة واحدة ووحيدة على الحكم، والمحافظة على سيادتها باستعمال القوة والعنف والقتل.
فإلى متى ستبقى المناصب السياسيّة الرفيعة حكرًا على الرجل الشرقيّ وبيد أسرة حاكمة واحدة؟
كل هذه القضايا طرحتها الروائيّة ديمة السمّان مستخدمة تقنيّات الحداثة، حيث تظهر الحداثة ويتجلّى أسلوب تيّار الوعي من خلال الأساليب السرديّة والتقنيّات التي استخدمتها والتي من أبرزها: سيطرة الراوي بضمير المتكلّم (الأنا)، معبّرا بذلك عن لواعج نفسه واضطراباته، وحالات الضياع، والبلبلة والحيرة التي عاشها، كما برزت بشكل لافت تقنيّة المونولوج، تقنيّة الاسترجاع، تقنيّة الأحلام، إضافة إلى استخدام اللغة الشعرية الوصفيّة.



Comments