top of page

ذكريات  سيزيفية في كتاب رنين القيد

  • rozshaban
  • 5 hours ago
  • 2 min read

روز اليوسف شعبان


كتاب رنين القيد للأسير عنان زاهي الشلبي،2022، تصميم الغلاف الداخلي الأسير: نادر صدقة (السامري).

  يقع الكتاب في 122صفحة من القطع المتوسط، ويحوي ثمانية وعشرين نصًّا نثريًّا كتبهما الأسير، ووضع لكلّ نصٍّ عنوانًا خاصًّا به يتناسب مع الحدث الذي يرويه الكاتب، إضافة إلى مقدمة كتبها المحامي حسن عبادي، وست شهادات لأسرى قرأوا الكتاب وكتبوا عنه.

   يهدي الأسير عنان كتابه إلى الذين شاركوه معاناته: والدته ،والده، شقيقاته، أشقاؤه وإلى روح الشهيدة شيرين أبو عاقلة.

    عنوان هذا الكتاب لافت، وقد أثار في نفسي عدّة تساؤلات: متى ستزول هذه القيود من الوجود؟ متى سيعيش الناس أحرارًا في أوطانهم بأمن وأمان وسلام؟ 

     كتب الأسير عنان هذه النصوص في فترة امتدت عشرين عاما قضاها في السجن ولا يزال، وذلك بعد أن حكمت عليه المحكمة بالسجن المؤبد عام 2002 بعد أن قبضت عليه الشرطة قبل تنفيذ العمليّة الانتحاريّة.

     يمكن اعتبار جميع النصوص لوحة سيزيفيّة،  بدأها الأسير عنان بوصف لحظة القبض عليه والتنكيل به وتعذيبه، ويختمها باغتيال الاعلاميّة الفلسطينيّة شيرين أبو عاقلة  أثناء تغطيتها خبر اقتحام الجنود الإسرائيليّين مخيّم جنين. يقول الأسير عنان في خاتمته الحزينة لكتابه:" اغتيلت مرحلة بأكملها، ذاكرة بأكملها وصوت حرّ لطالما ارتبط بالوطن وتضحياته ونزيف شعبه المتواصل". ص 114.

   في هذه النصوص الثمانية والعشرين يصف الأسير رحلة عذابه طيلة سنين أسره، فيحرم لسنوات عديدة من رؤية أسرته، ويسمح له بلمس والدته وتقبيلها بعد أربعة عشر عاما من سجنه. كذلك يحظى بتقبيل أخته الكبرى، لكن أخته الصغرى التي لا تعرفه تخجل من الاقتراب منه، فيهدّئ من روعها وينجح في حضنها وتقبيلها.

هذه  النصوص كتبت بلغة سلسة واقعيّة، تشوبها بعض الأخطاء النحويّة والإملائيّة، وتكثر فيها الجمل الوصفيّة التي يعبّر من خلالها الكاتب عن معاناته ومشاعره وسرد  ذكرياته في السجون الاسرائيليّة، هذه الذكريات التي تعج بالمآسي والحزن والألم،  يتراءى  سيزيف خلفها يمشي في درب الآلام، يحمل صخرته على ظهره، كعقاب من الآلهة على خداعه، فقد أرغم سيزيف على حمل صخرة ضخمة  والصعود بها على تلّ، ولكن قبل أن يبلغ قمة التلّ، تفلت الصخرة دائمًا منه ويكون عليه أن يبدأ من جديد مرة أخرى.

      هكذا يمضي الأسير عنان في درب الآلام، يحمل كلّ عذاباته ومعاناته على ظهره، ينوء بها، لكنّه لا يسقط ولا يسقطها، بل  يمضي بها  بشموخ، يتحدّى ظلام السجن وعذابه، يحمل في ذاكرته ذكريات طفولته مع أصحابه، لحظات المتعة والفرح مع العائلة، فيقتله الشوق ويستوطنه الحنين، ثمّ يغيظه الحرمان والإذلال والتنكيل به وبزملائه في السجن، فيعلنون إضرابًا مفتوحًا عن الطعام استمرّ اثنين وأربعين يومًا ، عرف بإضراب الكرامة،  كانت نتيجته إحراز الأسرى بعضًا من حقوقهم.

   لكنّ الإحراز والإنجاز الأكبر هو كتابة هذه النصوص داخل جدران السجن. فبالرغم من المعاناة والقهر، إلا أنّ الكاتب يتمكّن من التقاط  الكلمات  بين أروقة السجون،  ويصيغ منها نصوصًا تعجّ بالشوق والحنين والأمل والعذاب ومرارة وقسوة الحرمان.

     هي كلّ ذلك وأكثر، سيل عارم من المشاعر الصادقة، ووصف دقيق لما يعتمل في النفس في لحظات القوّة والضعف، وفي لحظات الشوق والحب والبغضاء.

      نصوص تروي معاناة أسير ما زال يحلم بالحريّة، يغذّي نفسه بالأمل وبصوت أمّه تناديه تقول له: أنا في انتظارك يا ولدي!

    هي الأمّ إذن، هي الوطن التي تمنح الحبّ بلا حدود، ومن هذا الحبّ ينبت الأمل. هذه الأمّ التي تصاب بشلل دماغيّ يفقدها ذاكرتها، لكنّ صوت ابنها عنان من داخل السجن يوقظ ذاكرتها ويبعثها من جديد.

     ومثلما يحيي الكاتب ذاكرة أمّه المتعلقة بابنها الأسير دون غيره، تحيي هذه النصوص النثريّة الأمل في نفوس القرّاء، فمن الشوك نجني العنب، ومن آلام المخاض تولد الحياة من جديد.



 
 
 

Comments


bottom of page