top of page

جذوة الحنين في كتاب شيء يذكّرني بي,  للشاعر عبد السلام العطاري

  • rozshaban
  • 5 hours ago
  • 5 min read

د. روز اليوسف شعبان


صدر الكتاب عن الأهليّة للنشر والتوزيع، عمّان، (2026)

 

في لغة شاعريّة جميلة، يفتح لنا الشاعر عبد السلام العطاري، صفحات مذكّراته، ليكشف لنا عن لواعج نفسه، واختلاجاتها، منذ ولادته في العشرين من أيلول عام 1965 في قرية عرّابة جنين، حتّى يومنا هذا.

من خلال هذه النصوص، نتعرّف على طفولته، ولحظات الاستمتاع فيها، فنجده يسرج مخيّلته في جيوب الذاكرة، حيث شجرة الخروبة العجوز، وبير إعمر، وأكواز الصبر الّتي كان يقطفها مع أصدقائه، لتكون لعبتهم، كانت طفولة جميلة، ينعمون بها براحة البال، يرضون بالقليل، ويفرحون، ويغنّون، ويحلمون..

يستذكر الشاعر أيّام العيد الجميلة في ساحة قاع إسعيد، حيث يلتقي مع أصدقائه، يرتدون الثياب الجديدة الّتي كانوا يعلّقونها قبل العيد بعدّة أيّام، ويفرحون بالنظر إليها، يقبّلون أيدي الكبار، ويقبضون القروش منهم.

وفي غمرة هموم الحياة، وضجيجها، يستذكر الشاعر لحظات الفرح في مواسم الحصاد، وعرائش الدوالي، وليمونة قاع الدار، وحوض النعنع، وطرّاحات السهرة، وحكاية الحارات عن جبينة والشاطر حسن، ورغيف خبز الطابون، وشاي المواقد، واللهو بكرات القماش.

هذه الطفولة البريئة الجميلة البعيدة عن الهواتف النقّالة، والّتي تعشق تهليلة الأمّهات وصوت الله في مآذن العيد.

لعطر المواسم وقع خاصّ في نفس الفتى، فرائحة المطر، وشتوة زهر الرّمّان، والبيادر، وبطولاته الصغيرة في اصطياد البلابل، والتسلّل مع رفاقه إلى الحواكير، لقطف حبّة تين، والسمر حول موقد الحطب، والشاي المدخّن، والبيض الملوّن الّذي كانت توزّعه النساء في خميس البيض، ولعبة بيت بيوت، وهي من الألعاب الشعبيّة في عرّابة، كلّ ذلك يغمر قلبه بالفرح. فيقول:" كم كان للفرح طعم البساتين، والأمّهات المنتظرات عند عتبات الغروب، كم كنّا أثرياء بالحبّ وبالأحلام، كم كانت بيادرنا الكون الخالي من الضغائن والأحقاد"(ص44).

يتذكّر الشاعر بيته القديم، فيحنّ إلى وجه الباب الذي كانت تدقّه قبضات أطفال الحارة، ووجه جاره الذي يجلس التعب على جبهته، فيسأله عن آية من الذكر الحكيم، عن درس الحساب، عن جدول الصرب اللعين(ص49).

يشتاق الشاعر إلى وجه أستاذ التاريخ، ليعيد رسم خارطة الوطن، ومعلّم الإنشاء ليقول له:" إنّ اللغة فتنة، محبّتها إثم وهلاك، فلا تقترف غوايتها، كي لا تكتوي بنارها"(ص50).

ويشتاق إلى وجه أمّه، ونداء الله في صفحات الفجر، فنجده يبحث عن الطفل في داخله الّذي يشتهي الحبّ والحنان، وثوب أمّه، وشروق الشمس، ورائحة الطين، وندى الرّمّان والتين، يحنّ إلى الحارة والبيت العتيق، والعيد الّذي كان يشبهه، يريد أرجوحته، يريد أن يستعيد وجهه الضاحك والناس الطيّبين.(ص50).

يحنّ الشاعر إلى كلّ ذلك ويتمنّى راحة البال الّتي يفتقدها في أيّامنا هذه، يتمنّى أن تأتيه راحة البال بين النوم والصحو، تشعل في الليل ومضة حبّ، ومع "شقّة الضو" يفرد الحجل صوته تلويحةً لغمّارات القمح وقافلة البيادر(ص57)

يرى الشاعر في أمّه وفي كلّ أمّ، امرأة النرجس والياسمين، تعقد عصبة الرأس، تشدّ زنّار الحرير، تشدّ أزر الحصّادين، تشمّر عن ساعديها، تنشل الماء من البئر، وكان الفتى ورفاقه يعينونها في نشل الماء، وهو يرى في حضن الأمّهات وطنا. (ص59)

يعتزّ الشاعر بموطنه بكلّ ما فيه من بيادر، وحواكير، ورغيف الطابون، ورائحة المقاثي، ونداءات الباعة، وصيحات(سمّاعين) الصوت، المصلّين على النبي، الباحثين عن طفل نسي على بيدر اللعب، وشيخ فيه حكمة الأجيال.

يذكر الشاعر أطفال المخيّم، واصطفافهم في الطابور ومعهم كرت المؤن، ليستلموا بعض المؤن كالطحين وعلب السردين، لم يكن للفتى مثل هذا الكرت فهو لم يكن لاجئًا، في حين غصّت بلدته عرّابة بلاجئين قدموا إليها بعد النكبة، من يافا وبيسان وحيفا. وعلى الرغم من انّه لم يكن لاجئا إلّا أنّه عرف معنى النكبة ببلاغة اللجوء وقهره.

يتذكّر الشاعر فرحته عندما كان يزور مدينة جنين مع أهله، خاصّة قبل عيد الفطر، لشراء بعض الاحتياجات، فيأكل الهربسة، ورغيف الفلافل، ثمّ صار يزورها عدّة مرّات في العام، بعد أن تزوّجت أخته وسكنت فيها.

يتذكّر الانتفاضة الأولى، انتفاضة الحجارة الّتي استشهد فيها حمد عام1989.

كما يتذكّر الشاعر صبيّة جميلة رآها صدفةً، فيصفها وصفا شاعريًّا جميلا يقول:" فرأى ما رأى شمسَ آذار تخطو بدفئها، وعينَ غزالة تشعل مفاتنَ في عينيها، رحيق الأقحوان عذرها، مزنّرا بخيط الليل شالُها…."(ص83)

في مجموعة نصوص عناوينها: سِفْر الغزالة، سِفْر الحجارة، سِفْر شوق قديم، سِفْر النوافذ، سِفْر الأمل، سِفْر الصوت القديم، سِفْرٌ قديم، سِفْر الجواب، يؤكدّ فيها الشاعر على وحدة الوطن: “أجمع حجارة كنعان، من فلسطين كلّها، وأطوف سبعًا، وأرمي بها جمرات حبّ كي تكتمل الصورة"(ص83).

لكنّ هذا الوطن كما يقول الشاعر، بات نشرة أخبار، وعنوان الصحف، وامرأة تشعل جيدها بنار الحسرة والألم(ص86).

للقدس حيّزّ مهمّ في هذه النصوص فيقول:" يا للأسوار وما تحمله من أمنيات وأغنيات، وضربات خناجر الغرباء، والدمّ جمر السؤال اّلذي قال: هنا القدس." ويضيف:" لكنّه الأمل المعقود على قبابها، المنحوت بدقّات أجراسها باقٍ وتبقى القدس…"(ص87)

للحكايات الشعبيّة نصيب في هذه النصوص: طريف الطول، دلعونة، وجفرا، هذه الحكايات التي كانت تشعل في ذاكرته الحنين لوطن يعبق بالحكايات، يختلس الوقت لينثر عبق الذكريات في نفوس محبّيه

كانت الأيّام طويلة بنهارها، وكذلك الليل، لكنّ حكايات الجدّات أو العمّات، كانت كأنّها الهواتف الذكيّة، التي لا تقتل الوقت وإنّما تنعشه.

حين يتجاوز الشاعر أربعين عاما من عمره يكتب:" أربعون أو يزيد تمرّ كمجرى نهر يحمل وشوشات العذارى وشيئا من عشقهنّ"(ص125). بعد هذا العمر يشتاق الشاعر صوت جدّته، وحكايات الشتاء، وبرتقالًا مبلّلًا بعتمة المساء، لكنّ الواقع المرّ يطرق مخيّلته بقوّة، فيتساءل؛ كم تبعد عرّابة عن رام الله؟، وسرعان ما يخطر الجواب في ذهنه:" في بلادنا المحتلّة لا يحسب الوقت بحساب المسافة، وإنما بمقدار عدد حواجز الاحتلال على الطرقات، وبمقدار مزاج التنكيل المتوقّع"(ص131).

ثمّ يقرّر الكاتب العودة إلى قريته عرّابة، بعد أن غادرها ليعيش في مدينة رام الله، فهو يشتاق إلى كلّ شيء فيها، فقدره مكتوب أن يعود.

يختم الشاعر نصوصه بنص شعريّ جميل يشيد فيه بالوطن، فكل شيء يرحل ويبقى الوطن وتبقى القصائد والحكايات، وتبقى الذكريات.

لقد جاءت هذه النصوص، لوحات فنيّة شعريّة، تفيض عذوبةً، ورقّةً، تخللّتها تعابير مجازيّة، وأوصاف شاعريّة جميلة، وتناصّ من التراث الأدبيّ والدينيّ. فمن التناصّ الدينيّ ما يلي: بأنّ الأرض يرثها عباده الصالحون (ص 91) وقد وردت الآية في القرآن الكريم كما يلي "وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ"(سورة الأنبياء،105). وجاء أيضا في نصوصه:" وادخلوها بلا جواب حالمين"(ص 97). تقابلها في القرآن الكريم:" وادخلوها بسلام آمنين. سورة الحجر، آية 46.).

كذلك ذكر: واقصص رؤياك على الناس" تقابلها في القرآن في سورة يوسف أية 5: "ولا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا". وأيضا قال: والضحى إذا تلاها (ص 76) في القرآن: "والقمر إذا تلاها"

(آية 2 سورة الشمس). وهناك تناصّ من شعر محمود درويش حين قال:" وبخبز تنّور نارك (ص 55):" ضَعِيني، إِذَا مَا رَجَعْتُ وُقُوداً بِتَنُّورِ نَارِكْ".

يمكن القول إذن، إنّ هذه النصوص الشعريّة النثريّة، تأخذ القارئ إلى عالم من الخيال والذكريات، فقرية عرّابة جنين لا تختلف عن باقي القرى الفلسطينيّة، فالحكايات الشعبيّة واحدة، والبيوت متشابهة، والأعياد والمناسبات والمواسم ذاتها. من هنا يمكن القول إنّ هذه النصوص تؤرّخ الحياة الاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة للشعب الفلسطينيّ في كامل الوطن.

 

 

نصّ من وحي كتاب شيء ما يذكّرني بي للشاعر عبد السلام العطاري

بقلم: روز اليوسف شعبان

 

حين تغدو الذكريات لوحة فسيفساء

 تتناغم ألوانها

 تبعث في النفس آهاتٍ وحنين

تتراءى داليةُ العنب

وأكوازُ الصبر

وأحواضُ النعناع

تعبقُ في الأثير

وطابةٌ يركلها الأطفالُ

يسابقون الريحَ في الحواكير

تنبعث الآهاتُ مشوبةً بالشوقِ والأنين

 

عندما تغدو الذكرياتُ وشاحًا من الحرير

وشالَ أمٍّ يتطاير فوق فوّهة بير

وبيدرَ حصادٍ

وحكايةَ الجارات عن جبينة والشاطر حسن

وظريفَ الطول

تتراءى جفرا الكحيلةُ

موناليزا فلسطين

تقترب من الحواجز

تنتظر ساعات وساعات ويزيد...

 

عندما تغدو الذكريات مئزرًا للحنين

وبطاقةَ مؤنٍ يحملها طفلٌ

ينتظر معونةً

في مخيّم اللاجئين

عندها يغرّد بلبلٌ حزين

يناجي قلوبًا تاقت ليافا وحيفا والجليل

 

عندما تغدو الذكريات نافذة للعودة بعد الرحيل

يرحل كلُّ شيءٍ

كلُّ شيءٍ

ويبقى الوطن راسخًا

ثابتًا

يحضن الذكرياتِ والقصائدَ

لا يركع ولا يلين 

 
 
 

Comments


bottom of page