top of page

الفكر والإبداع يتجاوزان الإعاقة في رواية رهين الجسد للكاتب فادي بديع أبو شقارة

  • rozshaban
  • 8 hours ago
  • 5 min read

روز اليوسف شعبان

صدرت الرواية بطبعتها الثانية، عن مطبعة ألوان يافة الناصرة، تقع في 251 صفحة، تدقيق المربّية جميلة حسن عدوي، تصميم الغلاف أريج شقّور، وقدّم الاستشارة للكاتب البروفيسور جريس خوري.

رهين الجسد هو مراد في الرواية، وهو الكاتب نفسه فادي، الذي ولد مع إعاقة جسديّة كبيرة، ضعف في العضلات، عظام رخوة كالعجينة، كفّة يده اليمنى متكوّرة معظم الوقت، اليد الثانية مرتخية عند الرسغ، ظهر مقوّس أعوج، لا يستطيع المشي بسبب ضمور في عضلات رجليه، لا يزيد وزنه عن عشرين كيلو، يقضي معظم وقته على كرسيّ كهربائيّ متحرّك ( الوينغز). 

عند ولادته قال الأطبّاء لوالديه لن يعيش أكثر من أربع وعشرين ساعة، وإن عاش فستكون هذه أكبر معجزة بشريّة. وعاش فادي، ومات الأطبّاء الخمسة الذين شخّصوا حالته وتنبؤوا بوفاته. فهل كان القدر كريمًا مع فادي حين منحه الحياة؟ أم معاندًا له كما وصف الكاتب ذلك؟

حظي مراد باهتمامٍ ورعايةٍ وحبٍّ لا يضاهى من قبل والديه وأخته مروة وأخيه مروان، هذا الحبّ وهذه التضحية المتفانية خاصّة من الوالدين، جعلت مرادًا شابًا مميّزا رغم إعاقته، بل جعلته يتفوّق على الكثير من الشباب الذين يتمتّعون بوافر الصحة. هذه العناية جعلت من بطل الرواية كاتبًا مبدعًا، ليثبت لنفسه أوّلًا وللناس ثانيًا، أنّ الإرادة فوق العاهة والإعاقة، ومن يملك عقلًا سليمًا يمكنه تحقيق أحلامه،  أو ربّما بعضها، فهناك أحلام لم يستطع البطل تحقيقها، ومنها العلاقة العاطفيّة والزواج، فبعد أن عشق مراد هدى وهام بها وأحبّته، إلّا أنّ عقله تغلّب على مشاعره وقرّر الابتعاد عنها؛ كي لا يسبّب لها التعاسة في حياتها، إنّ هذه التضحيّة تدلّ على نفس أصيلة شهمة، تكبت مشاعرها من أجل سعادة الآخرين، ويمكن القول، إن الكاتب أبدع في تصوير مشاهد العلاقة العاطفيّة بين مراد وهدى، والصراعات النفسيّة والعقليّة التي  سيطرت عليه، حتى انتصر العقل في نهاية المطاف.

الرواية إذن فيها الكثير من الإبداع. فأين يكمن الإبداع؟

استطاع الكاتب أن يصوّر وضعه الصحيّ والنفسيّ والأسريّ والاجتماعيّ والعاطفيّ تصويرًا دقيقًا جميلًا، رغم ما فيه من ألم وحرمان، يجعل القارئ يشعر كأنّه يشاهد فيلمًا سينمائيّا أو مسرحيّة تنطق بالحركة والانفعال. 

تميّز السرد في هذه الرواية ب"الرؤية مع"، أو "الرؤية المصاحِبة": وهي رؤية سرديّة كثيرة الاستخدام، إذ يُعرض العالم التخييليّ من منظور ذاتيّ وداخليّ لشخصيّة روائيّة بِعينها، من دون أن يكون له وجود موضوعيّ ومحايد خارج وعيها. إنّ السارد في هذه الرؤية، على الرغم من كونه قد يعرف أكثر ممّا تعرفه الشخصيّات، إلّا أنّه لا يقدّم لنا أيّ تفسير للأحداث قبل أن تصل الشخصيّات ذاتها إليه. تُحكى الروايات الّتي من هذا النوع بضمير المتكلّم، وبذلك تتطابق شخصيّة السارد مع الشخصيّة الروائيّة. (بوطيّب، 1993، ص. 72-73). ويستخدم السرد في هذه الرؤية ضميرَي المتكلّم أو الغائب، مع المحافظة على تساوي المعرفة بين السارد والشخصيّة؛ (شبيب، 2013، ص. 117.)

كما يتجلّى في هذه الرواية أسلوب تيّار الوعي الذي ظهر واضحًا في الأساليب السرديّة والتقنيّات التي استخدمها الكاتب. يعرّف غنايم (1992) رواية تيّار الوعي بأنّها نوع أدبيّ يوظّف تكنيكات عديدة (وليس تكنيكات فحسب) لتصوير الحياة الداخليّة تصويرًا يحاول محاكاة حركة الوعي الداخليّة. في هذه المحاكاة تنكشف دراميّة النفس التي لا تتوقّف، والحركة الموّارة التي تصطرع فيها. لذا لا بدّ من وجود أساليب تتلاءم مع هذه الحركة، بحيث تأخذ بالحسبان هذه الحركة في أبسط أشكالها كما في أعقدها. وتتعامل هذه الأساليب مع سمات هذا النوع الأدبيّ التي كثيرًا ما تتناقض، كالحركة والثبوت، الخصوصيّة والعموميّة، الثنائيّة في الزمان والمكان، والفوريّة والسيولة مقابل الانتظام والاتّصال. (غنايم، 1992، ص. 15-16.)

من تقنيّات تيّار الوعي الّتي استخدمها الكاتب: المونولوج والمناجاة، الاسترجاع، الأحلام والكوابيس، تعدُّد الرواة، المونتاج الزمانيّ والمونتاج المكانيّ، تنوُّع الشخصيّات، وسيطرة الراوي بضمير المتكلّم (الأنا)، فجاء السرد ذاتيّا حيث جعل الكاتب أبطال روايته، يتحدّثون عن أنفسهم، ويكشفون ما يجول في أنفسهم من مشاعر الخوف، الحزن، القلق، الاضطراب والفرح، كما لجأت الشخصيّات إلى الحوارات الداخليّة  (المونولوج)، ممّا جعل القارئ يغوص في أعماق الشخصيّات ويكتشف أسرارها ولواعجها.

كان لتقنيّة الاسترجاع، الّتي استخدمها الكاتب، دور بارز في تقريب اللّقطات أو المشاهد من ذهن القارئ، لتجعله قريبًا من الشخصيّة وكأـنّه يعيش معها فيتفاعل معها ويجاريها في تخيّلاتها وانفعالاتها.

من الاسترجاعات المؤثّرة التي وردت في الرواية، الاسترجاع التالي الذي يتذكّر فيه مراد ذهابه إلى البحر مع أسرته وما لاقاه من فضول الناس ونظرات الشفقة عليه:" ركضت مروة فورًا نحو البحر صار أبي يدحرج بالكرسي عبر الرمل نحو الشاطئ، وتوقّف فجأة عندما وقف طفل في عمري أمامنا، يرمقني بنظرات متفحّصة كأنّه عالم آثار، وجد تحفة تاريخيّة من القرن الخامس، ويتأمّلها بكل شغف. قالت أمّي محاولة تحفيزه للتّنحي جانبا: يلّلا روح عند إمّك يا شاطر.

اقترب أخوه الذي كان يبدو جيل مروان (أخ الكاتب)، ووقف جانبًا محدّقًا كأنّه مساعد لعالم الآثار. زأر مروان متوعّدًا بالانقضاض عليهما: "انقلعوا انتوا الثنين إسّا بدقّ راسك براسه". سمعت والدتهما وأسرعت لإبعادهما عنّا بعد أن رمقتني بنظراتها طبعًا. (ص 83-84). 

بعد هذا الاسترجاع يحدّث مراد نفسه قائلا: "أمّا أنا بقدر ما كنت أصبو إلى معجزة ترفعني عن الكرسيّ المتنقّل، تمنّيت لو أصبت بالعمى في تلك اللحظة؛ كي لا أرى نظرات تحطّ من قيمتي. فخفضت رأسي متأمّلًا ذرّات الرمل أحسدها متمنّيًا لو كنت واحدة منها، فكلّها متساوية لا تختلف الذرّة عن باقي أخواتها الذرّات"(ص 84).

من الحوارات الداخلية التي ظهرت في الرواية، حوار بطل الرواية مراد مع نفسه، واّلذي يكشف لنا مدى استيائه من نظرة المجتمع له:” عانيت كافّة ألوان الانتقاد الجسديّ والاضطهاد الروحانيّ والاستبداد النفسانيّ، كيف أعالج نظرات الشفقة التي أعتبرها أكثر أنواع النظرات إهانة؟ (ص 82-83).

ومن الحوارات الداخليّة التي تثير في نفس البطل تساؤلات كثيرة ما يلي:" أنا طاهر في أعمالي وأفكاري، طاهر في إيماني وأحاسيسي، إذن لماذا أشعر حينما يحدّق الجميع بي أنّي في قمّة القذارة؟ لماذا أحسّ من تعليقاتهم أنّني اقترفت الفواحش؟ لماذا يلازمني الشعور بالخزي على حالة لست مسؤولًا عنها لا من قريب ولا من بعيد؟  لماذا أشعر بالدونيّة وكلّنا سواس؟ (ص 103).

ومن الأحلام والكوابيس الكابوس الذي أورده الكاتب في نهاية الرواية والذي يصوّر وفاة مراد وحزن وبكاء العائلة، ويرى نفسه يركض وكأنّ معجزة حدثت وأعادته شابًّا طبيعيًّا دون عاهة. 

تعدّدَ الرواة في هذه الرواية، فتارة مراد يروي قصّته، وتارةً الأمّ تحكي عن علاقتها بابنها المعاق، وقرارها بإبقائه في البيت وعدم إرساله إلى مؤسّسة خاصّة، وتارةً تروي مروة (أخت الكاتب) قصّتها وعلاقتها مع زوجها وطلاقها، ثم يسرد مروان علاقته بأخيه مراد وغيرته منه لأنّه استأثر باهتمام العائلة وكيف تحوّلت هذه الغيرة إلى حبّ كبير حوّله إلى أسد يدافع عن أخيه المعاق بكلّ ما أوتي من قوّة وبأس، وهكذا ينتقل السرد من شخصيّة إلى أخرى بسلاسة مع المحافظة على عنصر التشويق.

أمّا اللّغة فجاءت عاطفيّة انفعاليّة امتزجت فيها الحوارات الخارجيّة والحوارات الداخليّة، وقد أدخل الكاتب اللّغة الدارجة في الحوارات الخارجيّة، إضافة إلى الكثير من الدعابة، ممّا خفّف ذلك من وقع ثقل الأحداث وآلامها على القارئ.

إجمال:

تعتبر رواية رهين الجسد للكاتب فادي أبو شقارة، من روايات الحداثة، أو رواية تيار الوعي، ذلك أنّ الكاتب استخدم فيها تقنيّات الحداثة ورواية التيّار، مثل: المونولوج، الاسترجاع، الأحلام والكوابيس. تميّزت اللّغة بسلاستها، وقد طعّمها الكاتب بالفكاهة وباللغة المحكيّة، خاصّة في الحوارات الخارجيّة (ديالوج).

جسّد الكاتب في روايته، آلام ومعاناة المعاق في مجتمعنا، حيث يُنظر إليه نظرة دونيّة فيها الكثير من الشفقة وحبّ الاستطلاع. ورغم ذلك فقد أثبت الكاتب أنّ الإعاقة لا يمكنها أن تعيق تحقيق الأحلام، خاصّة إذا وجد المعاق أسرةً محبّةً داعمةً كأسرته، فإن كان الجسد رهينًا لقيود العاهة والعجز والنقص، إلّا أنّ الفكرَ حرٌّ طليقٌ، يأخذ صاحبه إلى عوالم النور والإبداع.

المراجع:

بوطيّب، عبد العالي (1993)، "مفهوم الرؤية السرديّة في الخطاب الروائيّ"، مجلّة عالم الفكر، الكويت: وزارة الإعلام، مج. 21، ع. 4، أبريل-مايو-يونيو، ص. 32-48.

شبيب، سحر (2013)، "البنية السرديّة والخطاب السرديّ في الرواية"، مجلّة دراسات في اللغة العربيّة وآدابها، ع. 14.

غنايم، محمود (1992)، تيّار الوعي في الرواية العربيّة الحديثة، بيروت: دار الجيل.



 
 
 

Comments


bottom of page