الحريّة والخلاص في قصّة الفراشات المضيئة
روز اليوسف شعبان
الحريّة والخلاص في قصّة الفراشات المضيئة
الفراشات المضيئة قصّة للفتيات والفتيان، للكاتبة نزهة الرملاوي، رسومات الهام المغيث نزّال، إصدار دار الهدى كريم للطباعة 2021.
القصّة واقعيّة رمزيّة، سبكتها الكاتبة المبدعة نزهة الرملاوي بلغة جميلة وأسلوب شائق، لتروي لفتياتنا وفتياننا، قصّة هذه الأرض التي نهبها الأشرار واستولوا عليها، "بعد أن نبذهم العالم بسبب شقاوتهم، وجاءت بهم الى هذه البلاد كي يصبحوا سادتها". ص 14. وقد تمكن الأشرار من سلب المزارع وجعل السكان عبيدا لهم ليعملوا لديهم بأجر زهيد.
تعيش الفتاة استبرق البالغة من العمر أربعة عشر عاما، مع أسرتها بفرح في قرية السعادة، وقد أهدتها جدّتها قبل وفاتها ألوانا سحريّة، كانت تستخدمها في تلوين فراشاتها التي كانت ترسمها بعناية، وتعلقها على جدران بيتها، وحين يُفصل التيار الكهربائي، تُظلم بيوت القرية ما عدا بيت استبرق الذي يبقي مضيئا في القرية.
كانت استبرق تعاني من مرض (السرنمّة) النوم ليلا، وذات ليلة حين كانت تمشي وهي نائمة صحت على صوت عصابة الأشرار وهو يخططون للهجوم على القرية المجاورة لقريتهم ونهبها وقلع مزروعاتها، أخبرت استبرق والدها بما سمعت، وقام الاب بدوره بتحذير أهل القرية المجاورة، وبوجوب وضع خطة مضادّة للهجوم لكن أحدا لم يصدقه، وبالفعل تعرضت القرية للنهب والدمار والتخريب، فندم أهل القرية لعدم تصديقهم لوالد استبرق وعدم تعاونهم في الدفاع عن القرية.
وفي المرة الثانية حين خرجت استبرق ليلا وهي نائمة، صحت على صوت زعيم الأشرار، يخبر رجاله بالهجوم على قرية السعادة، اخبرت استبرق والدها الذي أخبر بدوره اهل القرية، لكن مجموعة صغيرة فقط استعدّت للدفاع عن القرية. تمكّن اللصوص من دخول القرية ونهبها ما عدا بيت استبرق؛ فقد أعمت الفراشات المضيئة عيون اللصوص؛ ولم يروا البيت. في الليلة التالية ألصقت استبرق وعائلتها الفراشات المضيئة على جدران بيوت القرية فلم يتمكن الاشرار من رؤيتها وهكذا سلمت القرية من الدمار.
تبع والد استبرق وسكان القرية الاشرار وهم يلصقون الفراشات المضيئة عل ملابسهم؛ حتى تخفيهم عن عيون الأشرار، وطلب منهم أن يسيروا بين الاشرار ويهمسوا في آذانهم:" إنّ الفراشات المضيئة التي لا يرون ما وراءها، هي أرواح السعداء، عادت الى الأرض بعد أن صعدت إلى السماء بعيدا عن القهر والظلم، عادت كي تلقّن الاشرار درسا قاسيا وتفتك بهم". ص33
تنتهي القصة بنجاح أهل القرية بالتخلص من الأشرار، واقتحام السجن، وإخراج المظلومين منه، ومن بينهم استبرق التي ضربها الاشرار، حين رأوها تمشي ليلا وهي نائمة، وكذلك أخوها الذي قبض عليه؛ حين حاول اقتحام السجن؛ لإنقاذ اخته. وعاش أهل قرية السعادة بسعادة وأمان.
تميّزت قصة الفراشات الملونة، بأسلوبها الرمزيّ الشائق، الذي يأخذ الطفل الى عالم الخيال ويعكسه على الواقع المعيش. ولعلّ اختيار الكاتبة لشخصية الفتاة استبرق، التي تحاول مساعدة أهل القرية وانقاذهم من الأشرار، لم يكن محض صدفة، وانما في إشارة ذكيّة منها إلى الدور القيادي الهامّ الذي تقوم به المرأة الفلسطينية، من أجل الدفاع عن بيتها ووطنها. كما أنّ اختيار الكاتبة للفراشات، كان اختيارًا حكيمًا، ذلك أن الفراشات محبّبة الى الأطفال بسبب ألوانها الجميلة، وطريقة خروجها للحياة من الشرانق، بخفّة وهدوء ورويّة دون مساعدة من أحد؛ حتى تقوى أجنحتها وتصبح قادرة على الطيران.
فهل أرادت الكاتبة بذلك أن تشير إلى أهمية ميلاد الشعب الفلسطيني من جديد، بهدوء ورويّة دون مساعدة من أحد؛ حتى يعتمد على نفسه ويغدو قادرا على النمو والتطوّر؟
وقد رمزت الكاتبة أيضا، إلى ضرورة وأهميّة التعاون بين أهل القرية؛ من أجل صدّ الأشرار، ولا بدّ من استخدام الحكمة والذكاء في ذلك، علما، أن تخلّص سكان قرية السعادة من الأشرار، جاء باستخدامهم الفراشات المضيئة، التي عمت أبصار الأشرار؛ بفضل الوانها السحرية التي لوّنتها استبرق بها، والتي أهدتها إياها جدتها قبل وفاتها. فهل أرادت الكاتبة بذلك أن تشير إلى التمسك بالموروث الشعبي والأصالة للتخلّص من الغرباء، ولحلّ المشاكل؟
قد يغدو الأمر بالنسبة للطفل طبيعيا، فهذا عالم من الخيال، يعج بالسحر والعجائب، لكن من الضروري أن نفتح أبوابا اخرى من التفكير والابداع والعلم والمعرفة؛ ليكون لدى أطفالنا سلاحا من المعرفة يواجهون فيه الأشرار، إضافة الى القيم، مثل: التعاون، المحبة، الفرح، والمساعدة والتلاحم في الدفاع عن الأرض. وقد ظهرت هذه القيم جليّةً في القصة.
من هنا يمكن القول إنّ قصة الفراشات المضيئة قصّة رمزيّة هامّة، تصوّر الواقع الفلسطينيّ الذي نهبت أرضه وقطّعت مزروعاته وسرقت كنوزه، كلّ ذلك، بأسلوب شائق ولغة جميلة تحاكي عالم الفتيان والفتيات وتداعب خيالهم.


Comments