top of page

الأوتوبيا في رواية منارة الموت للكاتبة هناء عبيد

  • rozshaban
  • 10 hours ago
  • 6 min read

صدرت الرواية عام 2022، عن دار فضاءات للنشر والتوزيع، عمان. وتقع في 237 صفحة.


العنوان هو عتبة النص وإحدى الدلالات الهامّة للولوج إلى الرواية . يدلّ عنوان رواية " منارة الموت" على مفارقة كبيرة، فالمنارة تضيء الطريق للسفن والطائرات، فتنقذها من الغرق والسقوط، أمّا الموت فهو  النهاية والسقوط.

فهل أرادت الكاتبة من خلال هذه المفارقة في العنوان أن تشير إلى ظاهرة الغش والخداع والقتل الذي يرتدي حلّةً من النور والبهاء؟

تعكس الرواية حالة المجتمع الذي يعيش فيه الفقراء والبؤساء والمعاقين، ومعاناتهم الكبيرة من أجل الحصول على لقمة العيش، مقابل الأثرياء الذين لا يقنعون بثرائهم فيتحايلون على الناس بشتى الطرق من أجل زيادة ثرواتهم.

    وقد مثّلت لطبقة الفقراء والبؤساء الطفل المعاق آدم الذي يعاني من قصر في إحدى ساقيه، يعيش مع والدته وأبيه واخته في غرفة واحدة. تعمل والدته خدّامة في بيت أحد الأثرياء، بينما يعمل والده بائعًا للذرة.

   اضطر آدم للعمل رغم صغر سنه وإعاقته، فعمل في أحد المقاهي، وفيه تعرّف على والد الطفل سام الذي شكا له معاناته وصعوبته في تربية سام بعد وفاة والدته خاصّةً  أنّه يعاني من (متلازمة داون)، وهي متلازمة وراثية خلقية ناتجة عن خلل في الكروموسومات (جسيمات تحتوي على مادتنا الوراثية). يبدو الأطفال المصابون بمتلازمة داون متشابهون، قد يعاني المصابون(بمتلازمة داون) من سلسلة طويلة من الاختلالات والعيوب، بما فيها التخلف العقلي.

قرّر آدم مساعدة سام وإدخال الفرح إلى قلبه ورسم الابتسامة على وجهه. فكان يذهب إليه ويقضي معه وقتًا في اللعب والضحك حتى تعلّق سام بآدم وكان ينتظره يوميّا بفرح. كما أنّ آدم ساعد والد سام في إيجاد إطار لابنه سام بعد أن رفضت المدارس استقباله بحجّة عدم وجود إطار مناسب له فيها.

    أحبّ آدم جارته هانا، وكانا صديقين حميمين يذود عنها ويحميها من أولاد الحارة، لكنّ هانا بعد أن كبرت وتعلّمت في الجامعة تنكّرت له وتزوّجت من شاب وسيم وثريّ. كان آدم يتابع أخبارها مما يراه ويقرؤه في صفحتها في الفيس بوك، ثمّ حدث الطلاق بينهما بعد  اكتشاف هانا خيانته لها فتواصلت مع آدم من خلال الماسنجر وطلبت لقاءه وأعربت عن حبّها له، لكنّ أدم رفض العودة إليها.

   عمل آدم أيضًا في أحد الفنادق فكان يحمل حقائب الزبائن ويوصلها إلى غرفهم، وهناك تعرّف على ندى التي ساعدته في ايجاد عمل في شركة الأخوين كاربنتر وهي شركة تبيع الأدوية وتطوف سيّاراتها في القرى الفقيرة لتوزيع المؤن والمساعدات للعائلات الفقيرة.

    تعرّف آدم على جورج ورمزي ورايان الذين كانوا يعملون في نفس الشركة في قسم تغليف الأدوية. يومًا بعد يوم يتضّح لآدم أن هذه الشركة كانت ترتدي قناع الإنسانية ومنارة الحياة في حين كانت في الواقع منارة للموت.   فقد استغلّت هذه الشركة عمالها واستعبدتهم  دون إعطائهم أدنى الحقوق وعملت في تجارة الأعضاء وبيع الأدوية الفاسدة.

   وحدث ذات يوم أن سقط  رمزي في الحمام فرفض المسؤولون علاجه بل ولم يسمحوا لأصدقائه بإيصاله إلى البيت، ثم قاموا بفصل رمزي من العمل، وحين احتج رمزي وحاول التوجّه للقضاء قاموا بخطفه وإخفائه. كما قام المسؤولون في هذه الشركة بقتل رايان الذي حاول الدخول الى الشركة ليلا لرصد الشاحنة التي كانت تأتي وتفرغ حمولتها من الأدوية الفاسدة والجثث بهدف التجارة في أعضائها. أما جورج فقد ماتت والدته بسبب دواء فاسد تناولته من هذه الشركة وكذلك ابنة رايان التي ماتت لنفس السبب.

    كان جورج  صحفيًّا  ثريًّا ورث ثروةً عن والده ، وقد  تمّ طرده من الصحيفة لأنه كان يكتب مقالات معارضة للنظام، فعمل في شركة الأخوين كاربنتر بغية الوصول إلى أدلّة تدينهم بالفساد والتسبب في قتل المرضى، لكنّ جورج لاقى مصير صديقيه رايان ورمزي وتمّت تصفيته، وذلك بعد أن أسس مجموعة أطلق عليها" نصرة المظلومين" .كما  قام جورج بتصوير الشاحنة (شاحنة الموت)، وكان فيها طفلة (ضحيّة). 

     كان جورج  يتّصف بالرقّة والانسانيّة، فتعامل بلطف مع آدم وأقنعه بالعمل لديه في قصره، وساعده في الحصول على منحة دراسيّة، فتعلّم آدم الطب وتخرّج طبيبًا، لكنه لم يجد عملا بسبب وضعه الصحيّ، فتابع دراسته ليصبح مدرّسا في كليّة الطب، ثم تبرّع له أحد صنّاع البسمة بعيادة في مبنى صغير، استقبل فيها الفقراء الذين لا يستطيعون دفع الرسوم. كما كان يقوم بزيارات عديدة لبيوت معدمة كي يصنع البسمة التي أخفاها العوز والفقر. ورغم  انتقاد والده له إلا أنه كان يقول لنفسه:" كيف سيدرك والدي أن رسم البسمة على شفاه طفل لا تضاهيها كل أموال الدنيا" ص 224.

   أما عائلة كاربنتر فقد حدث خلاف بين الأخوين تنافسا في التشهير ببعضهما، خرجت ملفات الموت، خرج العمال ضد الأخ الذي ثبتت عليه تهم الفساد وتجارة الأعضاء. تنفس العمال الصعداء وبعد أن تمّ اعتقال المفسدين تغيّرت الإدارة ووضعت قوانين جديدة للعمل التي لم تأت بما يناسب مصلحة العاملين. ذهب فاسد وأتى من هو أكثر فسادا.

    تنتهي الرواية بتواجد سام على تلّة جمعت ربيع الكون، كان سام يلتقط الفراشات يضحك عاليا تقول عيناه:" سترتفع راية العدل يوما فوق جثث الطغاة، فوق أنهار دماء الظلم، ستتعالى يوما ضحكة تمحي الظلام، ستخترق السماء أغنية تصدح عاليا، ستنتصر البسمة أيها الطغاة". ص 234.


السرد في الرواية:

تركّز الرؤية السرديّة في رواية منارة الموت  على صوت المتكلّم وهي تقنيّة هامّة من تقنيّات الحداثة، فالراوي يقع في مركز الحدث ويقدّم ما حدث له، كما يدور الحدث حول شخصيّته، فهو الذي يرى، وهو الذي يتكلّم فيحكي عن أناه. ويتمّ التركيز على شخصيّتين تتولّيان إنجاز السرد، هما جورج وهانا ؛ معنى هذا أنّ دور كلّ منهما يأتي ليكشف عن عمق الألم ومدى الضياع.

   تستخدم الكاتبة هناء  السرد المباشر بلسان الراوي ولسان شخصيّات أخرى في الرواية، لتتيح الفرصة لهذه الشخصيّات رسم معالمها، من خلال عالمها الشعوريّ والمونولوج الداخليّ. ينطلق الراوي-البطل، في معظم فصول الرواية  بتبئيره السرديّ إلى داخله،   ويعني أنّ صورة "الأنا السارد تستأثر ، وتغدو الرواية كأنّها ضرب من السيرة الذاتيّة، إذ يصبح الراوي واحدًا من الشخصيّات. وتتشكّل هذه الرؤية السرديّة من الداخل (الرؤية مع)، وتتّضح معالم الداخل للرّاوي من خلال التبئير الداخليّ بسيطرة الأحلام. وتأتي هذه الأحلام عادةً مُمثّلةً لأهواء الراوي وطموحاته. وهذه التقنيّات السرديّة  تتسم بها رواية الحداثة . إضافة الى الحوار الداخلي فإننا نجد في الرواية حوارا خارجيًّا  مباشرًا ويأتي الكلام المباشر في الرواية، من خلال حوارات الشخصيّات، متنوّعًا في الوظائف وفي صياغة اللغة ومعجمها. فنجد هناك حوارات تكتسي طابعًا  فكريًّا وفلسفيا كما في الأمثلة التالية :" يقول جورج لآدم:" العنف يقاوم بالعنف، والحق يؤخذ بالقوّة". ص 226. أـما آدم فيقول لجورج:" أنت يا جورج تعنّف من بدأ العنف.. أنا أبحث عن ضحايا العنف، وأنت تبحث عن جذور العنف، من مخطئ منا؟ حقًّا لا أدري". ص 227.  :" تقول لي يا جورج أنت تصنع البسمة يعني أن تقلع الضرس المنخور أولا وأنا أقول: حين يتعذر قلع الضرس فلتخدّر  الألم بالبسمة كلانا يسير نحو النور لكن بدرب مختلف". ص 227. .

  الرموز في الرواية:

رمزيّة العنوان: يرمز عنوان الرواية المنارة والموت إلى القناع الذي يرتديه أصحاب النفوذ والثروة، فيبدون في صورة جميلة إنسانيّة معطاءة في حين يضمرون الجشع والفساد والنفاق  ويتّبعون كل الوسائل من أجل الوصول إلى غاياتهم وتوسيع نفوذهم وثروتهم  على حساب الطبقات العاملة المسكينة ضاربين بكل القيم الإنسانية عرض الحائط.

آدم: يمثّل آدم المواطن العاجز المعاق الذي يعاني من الفقر والحرمان إلا أنه رغم ذلك يرفض الذلّ والانحناء لأصحاب النفوذ كما يفعل سائر المغلوبين على أمرهم. وهو يمثّل التحدّي والصبر والانسانيّة والعطاء. وآدم هو الإنسان الطموح الذي يحلم بتحسين ظروفه المعيشيّة والحصول على شهادة جامعيّة والعيش بكرامة والعمل من أجل إسعاد الآخرين وزرع البسمة على وجوههم. و نجاح آدم في تحقيق أحلامه رغم عجزه، إشارة من الكاتبة إلى أهميّة الكفاح والنضال بالطرق الإنسانيّة. فبالحبّ والعطاء والصبر والايمان والكرامة يمكن لكل إنسان حتّى المعاق تحقيق طموحه وأحلامه.

هانا: ترمز هانا إلى الشريحة من المجتمع التي تخدعها المظاهر البرّاقة والغنى الفاحش، فتسعى وراءه لتكتشف بعد ذلك  زيفه وخداعه.

   أُم آدم: ترمز أم آدم إلى المرأة المكافحة الصابرة الوفيّة لبيتها وزوجها وأولادها، تعملّ بكل إخلاص حتى لو كان عملها خدمةً في بيوت الأثرياء، فغايتها حماية أسرتها من الجوع والضياع. وهي إلى ذلك تحتمل إهانة زوجها لها من أجل الحفاظ على أسرتها.

    والد آدم: يمثّل والد آدم الذي يعاني من عجز وحدبة في ظهره، إلى الشريحة المعاقة والعاجزة في المجتمع التي تنحني للأسياد وتخضع لهم وترضى بالذلّ ولا تفكّر في تحسين ظروف حياتها  وعملها أو مواجهة الفقر. فوالد آدم بقي يبيع الذرة على عربته المهترئة ، يتلقّى كلّ يوم الاهانات من الأولاد وكثيرًا ما كانوا يضربونه بالحجارة على حدبته لكنّه لم يفكّر يومًا في الدفاع عن نفسه. ورغم عزوف الأولاد والناس عن شراء الذرة المشويّة منه بسبب عدم نضجها إلا أنّه لم يفكّر يومًا في تحسين جودتها وشيّها جيّدًا. بل بقي كما هو قانعًا بالقليل.

    جورج: يرمز جورج إلى الطبقة المتعلّمة المثقّفة الملتزمة التي تتسم بالعطاء والإنسانيّة والتي تنتقد النظام الفاسد  لكنّها تواجَه بالعنف والطرد من مكان العمل،  فجورج  يمثّل الثورة على النظام والفساد و محاربته بالعنف بعد أن فشل في محاربته بالكلمة، لكنه استمرّ في المقاومة بطرق أخرى كتأسيس جمعيات من أجل نصرة المظلومين،  وملاحقة الفاسدين وتصوير مشاهد من الفساد ونشر ذلك في صفحته في الفيس بوك بعد أن خذلته المحاكم والقانون، وقد تم اغتياله من قبل أصحاب النفوذ.

    إن اغتيال جورج  يعني اغتيال الثورة وهذا ما لا نريده، فالثورة على الطغاة والفاسدين يجب أن تنتصر في نهاية المطاف.

   شمس: ترمز شمس إلى الشريحة الضعيفة في المجتمع التي تحاول بذكائها الحصول على عمل والعيش بكرامة. فشمس نجحت في العمل في شركة كاربنتر بعد أن أحضرت شهادة مزوّرة تثبت أنّها صمّاء وخرساء، ومعروف أن هذه الشركة كانت تفضّل أن يكون عمّالها من هذه الفئة المعاقة الضعيفة التي لا يمكنها مواجهة الفساد والظلم..

 عائلة كاربنتر: تمثّل هذه العائلة الأنظمة الفاسدة في العالم  ومن بينها العالم العربيّ، فأصحاب الثروة والنفوذ يستغلّون الشعوب ويمتصّون دماءهم من أجل الحفاظ على نفوذهم وثرواتهم. ورغم ثورة العمّال ضد الظلم واعتقال أحد الأخوين المتهم بالفساد والتجارة في الأعضاء، وتغيير الأنظمة والقوانين، إلّا أنّ النظام بقي هو ذات النظام الفاسد. وفي ذلك إشارة ذكيّة من الكاتبة إلى فشل الثورات العربيّة بما يسمى الربيع العربي ، فقد استبدلت أنظمة الحكم بأنظمة جديدة أكثر فسادًا.

 إجمال:

تطرح الكاتبة هناء عبيد في روايتها منارة الموت قضيّة الجشع والظلم والاستعباد مقابل الانسانيّة، العدل،  العطاء وزرع البسمة في وجوه الآخرين. ولعلّها بذلك تتمنى أن تصل إلى المدينة الفاضلة التي حلم بها أفلاطون، والتي بموجب رؤيته الفلسفية  يرى أن تحقيق المدينة الفاضلة منوط بوجود ما يشبه الإشباع والاكتفاء الذاتيّ. أي أنّ علاقة أفراده تقوم على التبادل والتكامل وإشباعهم لاحتياجات بعضهم البعض. فاحتياج كل فرد منهم للآخر هو الرابط الأمتن بينهم والضامن الأقوى لترسيخ مبدأ المساواة وعدم الاستعلاء. ( موقع لماذا الإلكترونيّ).

 فهل يمكن حقّا تحقيق هذا الحلم ؟ وهل يمكن لصُنّاع البسمة تحقيق العدل والمساواة  وإعادة الانسانيّة المفقودة؟ وهل يمكن حقًّا  القضاء على جشع الانسان وطمعه  وتحقيق العدالة المنشودة؟

 


 
 
 

Comments


bottom of page