top of page

الأنثى في المجتمع الشرقيّ في رواية لا تقربيه ولو كان آخر رجال العالم

  • rozshaban
  • 11 hours ago
  • 5 min read

رواية لا تقربيه ولو كان آخر رجال العالم، للكاتبة وجدان شتيوي، إصدار دار بيلومانيا للنشر والتوزيع، مصر، (2025)، يمكن اعتبارها سيرة ذاتيّة لبطلة الرواية جوري، التي تقصّ على الكاتبة قصّتها، وتطلب منها تدوينها ونشرها لتكون عبرة لكلّ امرأة.

    جوري فتاة تعيش مع أسرتها بأمن وأمان، توفي والدها وهي طفلة، تزوجت والدتها، وعاشت جوري مع والدتها وزوج أبيها وأخوتها في حبّ ودلال. وربّما هذا الدلال كما قالت جوري في سردها، جعلها طيّبة القلب أكثر ممّا ينبغي، لا تعرف الناس، ولا تفكّر جيّدًا قبل اتخاذ أيّ قرار.

      حين كانت جوري في المرحلة الثانويّة أحبّت الشاب مهنّد، الذي كان ينتظرها خارج المدرسة، وحين عرفت والدتها بالأمر حذّرتها من هذا الحبّ، فمهنّد حسب ما قالت الأمّ عنه، رسب في الثانوية العامّة، لا مستقبل له. بعد اختفاء مهنّد من حياة جوري (بسبب وقوعه في الأسر الإسرائيليّ)، تلّقت جوري اتّصالا من شخص غريب اسمه نادر، كان يرغب بالتعرّف عليها، في البداية رفضت، لكنّه كرّر اتصالاته فرضخت له ومن هنا ابتدأت حكايتها التي هي أشبه بفلم سينمائيّ مركّب ومعقّد.

        تتعلّق جوري بنادر الذي كان يتصّل بها يوميًّا على هاتفها النقّال، يلقي على مسامعها أشعارًا في الغزل لنزار قبّاني، ويهتمّ بتفاصيل حياتها، فتحبّه، ثمّ يتّضح لها ولأسرتها أنّه متزوّج ولديه أربعة أبناء، وعمره يتجاوز أربعًا وثلاثين سنة، في حين كان عمرها ست عشرة سنة فقط.

    يقنع نادر جوري أنّه يحبّها ولا يحبّ زوجته، وتقرّر الارتباط به، رغم رفض أهلها الشديد له ومعارضتهم لهذا الزواج غير المتكافئ.

      تصرّ جوري على الزواج بـه فتضرب عن الطعام، فترضخ أسرتها لرغبتها. فتتزوّجه بعد أن تنهي الثانوية العامّة ويشترط أهلها على الزوج السماح لابنتهم بالتعلّم في الجامعة. ومنذ أوّل يوم في زواجها، تبدأ رحلة العذاب.

     تصوّر جوري حياتها الزوجيّة التي بنيت على الغش والكذب، منذ لحظة إخفائه أنّه متزوّج ولديه أولاد، وإعلامها أنّ عمره ست وعشرون سنة، وأنّه سيسكنها في بحبوحة من العيش ويدلّلها، لكنّها تكتشف بعد الزواج، أنّ كلّ كلامه كذب. ولعلّ الصدمة الأكبر كانت في ليلة زواجها، حين سالت نقط قليلة من الدماء، فاتّهمها بعذريّتها، أصرّت جوري أنّها عذراء ولم يمسّها إنسان قبله، لكنّه أخذها في اليوم التالي للطبيب للكشف عنها ولمعرفة إذا كانت عذراء حقّا أم كذبت عليه. 

منذ ليلة الزواج، عرفت جوري أنّها تسرّعت في قرارها وأخطأت، وتوالت الأحداث لتثبت لها صدق حدسها، وحدس والدتها. لكنّها جبنت في اتّخاذ القرار بالانفصال عنه.

     تستمرّ جوري في سرد معاناتها للراوية، بدءًا من تغيّب نادر عن البيت ومبيته في بيت زوجته الأولى، وقرارها بالتعلّم في الجامعة موضوع الهندسة الكهربائيّة رغم أنّها لا تحبّه، وحملها بابنتها الأولى والثانية، واكتشاف جوري خيانة زوجها لها، وزواجه من نورهان لتصبح زوجته الثالثة، وتسوء العلاقة بينها وبين نادر أكثر وتصل إلى حدّ ضربها واغتصابها "شرعا". تحاول جوري التنفيس عن نفسها بالبحث عن عمل والاشتراك في دورات للتنمية البشرية، والحديث مع جارتها هناء الأردنيّة التي لم تحصل على لمّ الشمل ولم تزر أهلها في الأردن طيلة سنوات عديدة، لكنّ نادر منعها من هذه الدورات وطلب منها التوقف عن العمل بحجّة تركها لابنتيها في البيت.

     تذهب جوري لبيت أهلها فيبيع زوجها البيت وتبقى هي بلا بيت، ولما استصعبت العيش في بيت أهلها مع ابنتيها وابني أخيها بعد طلاق أخيها، استأجرت بيتا صغيرًا لتسكن فيه، لكنّ أخاها رفض أن تعيش أخته وحدها، فاضطرت لترك البيت والعودة إلى نادر بعد أن كانت قد رفعت عليه قضيّة شقاق، تنتهي الرواية بتعلّم جوري لموضوع اللغة الانجليزيّة في الجامعة، وتحصل على وظيفة في رام الله، فتشتري بيتا، وترفع قضيّة طلاق ضد زوجها، وتبدأ حياتها من جديد. وعندما تصل جوري في سردها إلى هذه النهاية المفعمة بالأمل تصلها رسالة على هاتفها من رجل يكتب لها:" لا أريد من الدنيا إلّاكِ، أنت لي مثنى وثلاث وخماس، تردّ عليه: وأنا أريدك يا قدرًا تأخّر بقدر جماله يا رجلًا بكلّ الرجال". ( ص 214).

     استخدمت الكاتبة في سردها ضمير المتكلّم، فجعلت جوري تسرد قصّتها، وتعبّر عمّا يجيش في نفسها من آلام وأحزان، فتستفيض في وصف حالتها ومعاناتها، مستخدمة لغة سليمة، تستند إلى التناص الدينيّ، والأحاديث النبويّة والآيات القرآنيّة،  لاجئة إلى المونولوج  في بعض الأحيان، لتعبّر عن صدق مشاعرها وأحاسيسها.

في هذه الرواية الثقيلة بأحداثها، الغريبة بمصادفاتها، تضعنا الكاتبة أمام حالة اجتماعيّة تتعلّق بمكانة المرأة (الأنثى) في المجتمع الشرقيّ المحافظ، التي تعاني فيه من تمييز صارخ، وتفضيل الرجل عليها، وجلدها في الحالات التي يرى فيها الرجل، خروجًا للمرأة عن طاعته، أو تمرّدها على قوانين المجتمع المجحفة بحقّها. فجوري بطلة القصّة تحدّت أسرتها واختارت شريكا لحياتها رغم معرفتها بعدم التكافؤ بينهما، وحين اكتشفت كذبه وخداعه، لم تتجرّأ على طلب الطلاق خوفا من ردّ فعل أهلها ومجتمعها. وحتّى بعد علمها بخيانته لها لم تتجرّأ على طلب الطلاق تقول جوري:" أن تكوني أنثى في مجتمع شرقي يعني أن تصبري على خيانات زوجك المتكرّرة، أو تعنيفه الجسديّ، أو اللفظيّ، أو المعنويّ، ثمّ تبتسمين له نهاية يومك الزاخر بالألم (ص 164).

     :" أن تكوني أنثى في مجتمع شرقيّ ليس سهلًا البتّة، فهو يعني أن تكوني في كثير من الأحيان خلف ظلّ رجل، تابعة له تحت أيّ ذريعة (ص 162).

كلّ ذلك يجعل المرأة تعيش في غربة فتقول جوري:" أتدرين ما الغربة الحقيقيّة؟ أن تكوني في بيئة تختلف كثيرًا عنك، أن تحملي أفكارًا تختلف عن والديك، أن تشعري بالضعف لأنّ في قوّتك تمرّد على أفكارهم، وقيودهم عليك، تريدين التحرّر من كلّ ماضيك لكن بطريقتك أنت لا بطريقتهم وخياراتهم، وتخشين الصدام معهم" (ص 203).

    لقد عاشت جوري في غربة حقيقيّة عن زوجها وأهلها ومجتمعها، عانت وحدها، وأشركت صديقتها هناء بكلّ ما كانت تشعر به وتتعرّض له من قبل زوجها.

    حاول نادر  زوج جوري تحطيمها نفسيّا ومعنويّا، فأجبرها على ترك العمل، وترك الجمعيّة النسائيّة، وحرمها من الكتابة ونشر ما تكتب في الفيس بوك، وكان دائم الشكّ بها، يأخذ هاتفها ليفحصه إذا ما كانت لها علاقة مع رجل آخر غيره، إضافة لعدم مراعاته لمشاعرها، ورغباتها، بل وتعنيفها وضربها وتحصيل حقوقه الزوجيّة بالعنف.

     الساردة جوري تذكر أيضًا قصصًا أخرى لنساء يتعرضن للعنف من قبل أزواجهنّ ومع ذلك يبقين معهم، إمّا بسبب وجود أولاد وخاصّة بنات، وذلك خشية ألا يتزوجن في المستقبل، أو بسبب عدم دعم الأهل لبناتهنّ المطلّقات، مثل لمياء التي آثرت جحيم زوجها عن جحيم والدها، كما ذكرت جوري جارتها ام إياد التي طرقت بابها في منتصف الليل بعد أن ضربها زوجها، علما أنّ زوجها مدرّس للتربية الإسلاميّة، وانتحار إحدى الطالبات في صفّ ابنتها؛ بسبب تعرّضها للتهديد من قبل بعض الطلّاب، بكشف صورها وهي في وضعيّة محرجة.

   هكذا بدت جميع النساء في هذه الرواية ضعيفات، خاضعات لسلطة الرجل وجبروته، هذه النماذج من النساء إضافة إلى تجربتها الشخصيّة جعلتها تصل إلى الكثير من الاستنتاجات المهمّة من خلال تجربتها القاسية المريرة، فتهمس لنفسها قائلة: كلّ ما عليّ فعله هو ترتيب أولويّاتي، وألا أحتفظ في حياتي إلّا بما يستحقّ الاحتفاظ به من أشخاص وأفكار. (ص 157). وقد أيقنت جوري بعد تقديم المساعدة لجارتها إم إياد وللمياء ولتلميذة أخرى كانت تدرسها اللغة الانجليزيّة وعلى وشك أن ترتبط بزواج من شابّ يكبرها سنًّا بكثير، فأقنعتها بعدم الارتباط وبالتفرّغ للتعليم أوّلا وبعد ذلك الزواج، كلّ هذا جعلها تشعر بالسعادة فتقول:" أيقنت أنّ بمساعدة الآخرين والتخفيف عنهم والإحساس بآلامهم، ينسى الإنسان أوجاعه، أو تخفّ حدّتها على الأقلّ، ففي العطاء نشوة وقوّة.. (ص 114).

   كلّ هذا يجعلني كقارئة أتساءل: كيف ارتبطت جوري برجل يكبرها بكثير متزوّج وله أولاد؟ كيف لم يتمكّن أهلها من إقناعها؟ كيف لم تطلّقه منذ أن اكتشفت خداعه؟ وكيف لم تأخذ حذرها وحملت منه؟ كيف تحمّلت خيانته وزواجه من امرأة أخرى؟ وكيف تحمّلت أربع عشرة سنة من العذاب ولم تشرك أهلها أو على الأقلّ أختها إلّا بعد سنوات عديدة من العذاب؟ كيف استطاعت إخفاء معاناتها عن أهلها لسنين عديدة؟

     ورغم كلّ ذلك، ولعلّ الجميل في هذه الرواية أنّ بطلة الرواية لم تفقد الأمل تقول جوري:" لن أتردّد في طرق أيّ باب للأمل، شمعة قوّتي لن تنطفئ"(ص 157).

:" من منا لا يخطئ وهذه ليست نهاية المطاف فالمهمّ ماذا نتعلّم من خطئنا"(ص 141).

وتبقى الأنثى في مجتمعنا الشرقيّ تعاني من مشاعر الدونيّة والتفرقة في التعامل بينها وبين الذكر، ومع ذلك تتسلّح بالأمل، الإرادة، التحدّي، وتشحن نفسها بالقوّة، فتحقّق الإنجازات الكبيرة، وتتقلّد المناصب الرفيعة، وتتغلّب في كثير منها على الرجل. ولعلّ بطلة الرواية جوري خير مثال على ذلك.


 
 
 

Comments


bottom of page