استعراض موجز لكتاب قراءات في أدب الطفل الفلسطينيّ للأديب محمود شقير
صدر الكتاب عن مكتبة كلّ شيء حيفا(2026)، ويقع في مئتين وأربع وأربعين صفحة، من تصميم شربل إلياس.
يهدي الأديب شقير كتابه إلى غزّة والقدس وإلى أخواتهما الباقيات، وإلى المخيّمات. وفي هذا الإهداء رسالة
وطنيّة واضحة.
يحتوي الكتاب على عدّة مواضيع سأتطرّق في هذه العجالة إلى بعضها: شهادة الكاتب، إضاءات، أدب الناشئة ودوره في تعزيز الهويّة الفلسطينيّة، قصص وروايات للأطفال.
في بداية الكتاب يكتب شقير عن قصصه الّتي كتبها للأطفال، وحرصه على توفير متعة القراءة لهم، وفهمه لعالمهم ورغباتهم كونه كان معلّمًا وقريبًا منهم. وقد انصبّ اهتمامه في الدرجة الأولى، على الهمّ الوطنيّ، إذ كان معنيًّا بجذب الأطفال إلى حبّ الوطن، وإلى التعلّق بالأرض. كما كتب قصصًا وروايات تجعل الأطفال محبّين للطبيعة من حولهم، إضافة إلى كتابته لقصص وروايات تربويّة تعلّم الطفل بعض أساليب السلوك الصحيح، وغيرها الكثير من القصص والروايات الهادفة للفتيات والفتيان.
في فصل إضاءات كتب شقير عن القدس في أدب الطفل الفلسطينيّ، ووجد من خلال تتبّعه لقصص الأطفال، أنّ القدس لم تحظ إلّا بأهميّة ثانويّة في الغالبيّة العظمى من هذه الكتب، والتركيز لا ينصبّ على المكان، وإنّما على القيم التربويّة والسلوكيّة والوطنيّة والاجتماعيّة الّتي يرغب المؤلّفون في إيصالها للأطفال (ص 36).
ويرى شقير أنّه من الضروريّ إيلاء القدس الّتي تتعرّض للتهديد والتهويد، اهتمامًا خاصًّا في الأدب الموجّه للأطفال والكبار.
ويستشهد شقير ببعض قصص الأطفال الّتي ظهرت فيها القدس وهي: كتاب فلسطينيّ على الطريق لسلمان ناطور، ومن القدس تبدأ الحكاية لسونيا نمر، عشّ الدبابير لجميل السلحوت، السيف والقلم وهو نصّ مسرحيّ لوليد أبو بكر، شارع صلاح الدين، مجموعة قصصيّة لخليل أبو عرفة، وعدّة قصص للكاتب شقير: كوكب بعيد لأختي الملكة، وأنا وجمانة، وكلب ابيض ذو بقعة سوداء، وأحلام الفتى النحيل، وكلام مريم.
في فصل أدب الناشئة ودوره في تعزيز الهويّة الفلسطينيّة، كتب شقير عن أهميّة تعزيز الهويّة الفلسطينيّة من خلال الأدب، وتعميق المفاهيم الإيجابيّة الّتي تنصّ عليها الديانات السماويّة، ويشيد شقير بالندوات الثقافيّة والمؤتمرات الّتي تقام للأطفال والفتيان، والّتي تتمحور حول موضوع التسامح، لوقف ظاهرة العنف والتنمّر، وظاهرة التطرّف الدينيّ، ونفي الآخر ابن المجتمع الواحد وإقصائه، وغياب مبدأ الحوار (ص 45). في هذا الفصل يذكر شقير قصّته الّتي كتبها قبل أربعين عامًا عن الطفلة رفيف ابنة حسين أبو غريبة، حين كان والدها حسين في السجن.
في هذا الفصل يستعرض شقير عنصر المكان في قصص ليانة بدر، حيث يبدو المكان حاضرًا وملموسًا مثل: رحلة الطير الجميل، وهو مكرّس للاحتفاء بمدينة أريحا، وقصّة زهرة الثلج البيضاء، والقطة الصغيرة التي تحتفي فيها بالطبيعة.
يذكر شقير أيضا مدى تأثّره بالكاتبة أستريد ليندغرين، بعد أن قرأ قصصها السبعة الموجّهة للأطفال، وهو يعترف أنّ قصصه الّتي كتبها بعد أن قرأ لأستريد ليندغرين، تختلف عن قصصه السابقة، إذ حفّزته الكاتبة على الاهتمام بالخيال وإيلائه اهتمامًا كبيرًا، وطرق موضوعات غير تقليديّة، فيها كسر للمألوف وخروج على الأنماط السائدة، فكتب في إثر ذلك، قصصه: الضحكة الجديدة، أنا وفطوم والريح والغيوم، ورحلة الكلب.(ص 122).
في الفصل الأخير يقدّم شقير قراءاته الموضوعيّة للعديد من قصص الأطفال، والروايات الّتي كتبت لليافعين منها: قصّتان عن ذوي الاحتياجات الخاصّة للدكتورة أماني سليمان داوود، قصص مستوحاة من الرسّامات تمام الأكحل، وسامية حلبي، و فيرا تماري، والرسّام مصطفى الحلّاج، قصص عديدة لجميل السلحوت وهي: جبينة والشاطر حسن، الحصاد، لنّوش، مايا، اللفتاويّة، أنا من الديار المقدّسة، المائق، الفئران تأكل الحديد، مذّكرات تلميذ ابتدائيّة لخالد جمعة، رحلة الطير الجميل لليانة بدر، قصّة صفاء تسأل أيضًا لإبراهيم جوهر، أنا كبرت وأحلى الأغاني لصفاء عمير، فلفل وجدّه الأسمر لديمة السمّان، طريق الأمل لصباح بشير، ميمي والصبي الأحدب لفاطمة كيوان، لعبة الزمن لنزهة أبو غوش، أريم والكتاب الأزرق للدكتورة سيما صيرفي، همس الأعماق لبروفيسور جمال أسدي، وقد حظيتْ أربع قصص لي بقراءة جميلة وموضوعيّة من قبل شقير وهي: الكوكب الأحمر، وحسناء فارس( رواية للفتيات والفتيان)، ووارفة الظلال، والقنديل وهو مجموعة قصصيّة للفتيات والفتيان، وجميعها من إصدار أ. دار الهدى، ع. زحالقة.
كتاب قراءات في أدب الطفل الفلسطينيّ، إضافة نوعيّة في أدب الطفل، ويمكن اعتباره كتابًا توثيقيًّا لأدب شقير الّذي كتبه للأطفال، ولغيره من كُتّاب أدب الأطفال، ويبرز الكتاب أهميّة ودور القصّة في تعزيز الهويّة والانتماء، وأهميّة الكشف عن رغبات الأطفال وميولهم، وتقديم القيم التربويّة بأسلوب الرمز وبطرق غير مباشرة، كما يكشف شقير عن أهميّة الاهتمام بالمكان في قصص الأطفال والفتيان، وإبراز جماليّته وخّاصيّته، لأنّ ذلك يساهم في تعزيز الهويّة الفلسطينيّة والانتماء، والتصدّي لمحاولات طمس هذه الهويّة، ويرى الأديب شقير ضرورة الإغراق في الخيال في قصص الأطفال، وإثرائها بالمتعة والكتابة بأسلوب جميل يتّسم بالبساطة والعمق والبراعة والإتقان، إضافة إلى ذلك تكشف قراءاته النقديّة الموضوعيّة للقصص الّتي يضمّها كتابه عن مكامن القوّة والجمال فيها، وترصد في الوقت ذاته الجوانب الّتي تحتاج إلى مراجعة وتطوير.
وفي الختام أبارك لأديبنا الكبير محمود شقير هذا الكتاب المهمّ شاكرة له ذكر قصصي في كتاباته، فهذه شهادة أعتزّ بها من أديب قدير له مكانته المرموقة في أدبنا المحلّي والعربيّ والعالميّ.




Comments